لم يكن أكثر المتشائمين في سوريا ، يعتقد أن يجد وطنه ، سوريا ، بهذا التشظي والاستباحة ، وهو يودع الذكرى السنوية الثامنة لإنطلاقة ثورته ، ثورة " الحرية والكرامة " ، التي اندلعت في الخامس عشر من آذار ٢٠١١ . كغيره ، من مواطني بعض الدول العربية ، الذين نالوا حريتهم ، بسقوط رموز الفساد والإستبداد والدكتاتورية ، كان السوري يحلم برؤية زهور « الربيع العربي» وهي تتفتح في بلاده ، ويحتفل في الساحات ، بإعلان رئيسه استقالته في بيان مقتضب ، أو مشاهدته في قفص الاتهام والمحاكمة ، إلا أن تكالب العديد من الحكومات الإقليمية والدولية ، على صرخاته الثائرة ، حال دون قطف ثمار ثورته ، فأصبح ينتظر في طوابير للنجاة من الحياة ، أما في المعتقلات وساحات المدن المحاصرة ، أو في مخيمات اللجوء ، وشوارع بلدان الاغتراب .
لم تكن سورية ، بالنسبة لعائلة الأسد وحزب البعث ، سوى عقار مرهون للبيع ، يُباع منها قطعة كلما دعت حاجة مالكه لها ، سوريا الديمقراطية والحضارة والقيم ، التي ورثوها عن الوطنيين والأحرار ، بفوهة البندقية ، وخديعة " الحركة التصحيحية " التي قادها حافظ الأسد الأب عام ١٩٧٠ ، اصبحت في ظل هذه العائلة ، العين الساهرة على حماية أمن وسيادة الرئيس ، لا العكس .
سجل حافظ الأسد الأب ، أول إنتصار له على السوريين بعد خديعته الكبرى " الحركة التصحيحية " ببيع هضبة الجولان ومدينة القنيطرة إلى الإسرائيليين في حرب ١٩٧٣ ، أطلقت عليها " حرب التشرين التحريرية " ، ووسم نفسه بصانع « الأمجاد و بطل التحرير » ، حينها ، نوّمَ بطل التحرير السوريين بشعار " الأرض مقابل السلام " مع إسرائيل قرابة الثلاثين عاماً ، ليبني بذلك ، دعائم نظامه السليط ، على جماجم المعارضين المناديين بالحرية والكرامة ، و نشطاء الرأي والعمل السياسي خارج إطار " الجبهة الوطنية التقدمية " ، التي كان هو مؤسسها وقائدها ومنظّرها ، وكل ذلك ، كانت بذريعة " نحن في حالة حرب مع العدو الإسرائيلي ، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة " .
في عام ١٩٩٨ ، كاد أن تدخل سوريا في حرب طاحنة مع الدولة التركية ، على خلفية إيواء حافظ الأسد لزعيم حزب العمال الكردستاني السيد عبدالله آوجلان في الأراضي السورية ، وتحديداً في مدينته ومسقط رأسه اللاذقية، وكعادة الأنظمة الشمولية الديكتاتورية ، وتخوفها من ارتدادات الحروب على الأوضاع الداخلية ، وخلق حالة اللا استقرار والفوضى ، التي قد تهدد العرش ، وتطيح به ، لجأ الأسد إلى الرئيس المصري السابق ، محمد حسني مبارك للتوسط مع الحكومة التركية ، قدم من خلالها عرضه المغري ، وهي التخلي ( بيع ) عن لواء اسكندرون السورية لتركيا ، مقابل تراجع الأخير عن التدخل في سوريا لملاحقة السيد عبدالله آوجلان ، عرفت الصفقة حينها باتفاقية " اضنة " ، والتي نصت بالإضافة إلى عدم مطالبة الدولة السورية ضمناً بلواء اسكندرون ، « السماح لتركيا بالتدخل في الشمال السوري المحاذي لحدودها بعمق خمسة كيلو متر » ، وتغلق بعدها ملف الزعيم الكردي ، بإبعاده من سوريا ، وحدث له ما حدث .
بعد إنطلاقة الثورة السورية ، وفقدان نظام بشار الأسد السيطرة على معظم الجغرافية السورية ، وتضييق الخناق عليه شيئاً فشيئاً ، لجأ متوسلاً إلى روسيا وإيران ، لوقف زحف المسلحين نحو العاصمة دمشق ، والمدن الاستراتيجية الأخرى مثل حلب وحمص واللاذقية . روسيا التي كانت تحتفظ بقاعدة لها في المدينة طرطوس على الساحل المتوسط ، وكعربون لدعمها للأسد الأب في هزيمته أمام الاسرائيلين ، لم تتوانى في لب نداء الاسد الابن ، وقضم المزيد من أطراف ووسط مزرعة " معروضة للبيع " من قبل رئيسها ، أما إيران ، فكانت لها أطماع أخرى إلى جانب دعمها للأسد ضد ثورة شعبه ، وهي تعزيز نفوذها البشري والعسكري والسياسي على الحدود مع اسرائيل ، وتأمين العمق الاستراتيجي ، وخطوط الإمداد لحليفها حزب الله في لبنان ، حيث بدأت بالتوغل عسكرياً نحو الجنوب على مقربة من الجولان وإسرائيل ، الأمر الذي أشعر الأخير بالخطر المهدد لأمن دولته ، وتقويض حالة الاستقرار والهدوء الذي أمن لهم عائلة الأسد منذ ما يقارب النصف قرن . إسرائيل ، كانت تدرك تماماً ، أن الأسد فقد السيطرة على مفاصل الحكم ، وإدارة البلاد ، بعد مجيئه بالروس والايرانيين الى بلاده ، لكنهم كانوا أكثر اهتماماً بالنفوذ الإيراني وسطوته على قرارات بشار الأسد ، وذلك لما لها من حاضنة بين إلاوساط الشعبية لمواليه ، وكذلك كبار الضباط في استخباراته و جيشه . لم يكن الاسرائيلين وحدهم ، يتوجسون من الخطر الإيراني الداهم ، بل روسيا ، وحتى بشار الأسد نفسه ، بدأ يشعر بالقلق على حياته ومصيره كرئيس لسوريا ، في ظل وجود اليد الطولى للحرس الثوري الإيراني داخل أركان نظامه ، وغالباً ما ترجمت تلك المخاوف بقصف إسرائيلي لمواقع عسكرية إيرانية عدة ، خلال السنوات الماضية داخل الأراضي السورية ، بعضها كانت مجهزة كمستودعات للأسلحة ، ومنصات لإطلاق الصواريخ ، والبعض الآخر ، كانت قيد الانشاء ، جميع هذه المواقع ، كانت تستهدف بدقة متناهية دون استهداف لمواقع جيش النظام ، الأمر الذي زاد من سخط الإيرانيين ، ونمى لديهم الشعور بالخيانة من قبل الاسد وروسيا . بنيامين نتنياهو ، رئيس وزراء إسرائيل ، كان واضحاً في رسائله المتكررة لروسيا ، وهي " أمن إسرائيل مقابل رأس النظام السوري ، إذا ما تكررت إطلاق الصواريخ الإيرانية من داخل الأراضي السورية على مستوطناتها الحدودية .." ، تلقف الأسد ، الجدّية الإسرائيلية في تنفيذ وعودها عبر الوسيط الروسي ، خاصة وأن الإدارة الأمريكية ، ورئيسها دونالد ترامب ، حددت مبررات وجودها العسكري في سوريا بثلاث أهداف : القضاء على تنظيم داعش ، تحجيم الدور الإيراني في المنطقة واخراجها من سوريا ، وإعادة الأمن والاستقرار إلى سوريا من أجل البدء بالعملية السياسية برعاية الأمم المتحدة وفق المرجعيات الدولية الخاصة بحل الأزمة . بموجب هذا التفاهم الأمريكي - الروسي - الإسرائيلي ، شنت قوات الاسد ، وبدعم روسي جوي ، عملية عسكرية واسعة في درعا ، استعادت من خلالها ، وعبر " المصالحات الوطنية " كامل المنطقة الجنوبية ، بعد أن كانت طيلة سنوات الأزمة ، خارج سيطرتها ، إلا أن الفشل الروسي في الوفاء بوعوده « تحجيم الدور الإيراني » تجاه الإدارة الأمريكية ، ورئيس وزراء إسرائيل ، دفعت إلى الواجهة من جديد ، المخاوف الإسرائيلية من استدارات بشار الأسد المحتملة باتجاه إيران ، ويعلن تمرده على حليفه ، وحليف اسرائيل معاً - روسيا ، خاصة وأن موازين القوى على الأرض ، باتت لصالحه بعد تنفيذ معظم اتفاقيات خفض التصعيد والتوتر من قبل الدول الضامنة ، أو ما يعرف محور " استانة - سوتشي " . تناغماً ، ودعماً للموقف الإسرائيلي ، صعدت الإدارة الأمريكية من لهجتها تجاه النظام السوري ، وفرضت مزيداً من العقوبات الاقتصادية على رموزه ، ومموليه ، ووجهت تحذيراً قوياً إلى حلفائها ، قوات سوريا الديمقراطية ( قسد ) ، وجناحها السياسي حزب الإتحاد الديمقراطي ( ب ي د ) عبر مبعوثها الخاص في سوريا والعراق ، السيد جميس جيفري ، الذي دعى إلى " الوقف الفوري لأي تفاوض مع دمشق " . هذا التصعيد الأمريكي الجديد ، إلى جانب التراجع عن قرار سحب قواته من سوريا ، والإبقاء على /٤٠٠ / عنصر من جنوده في الشمال السوري ، وكذلك الانتهاء من تنظيم داعش عسكرياً شرق نهر الفرات ، والحديث الأمريكي عن إقامة " منطقة آمنة " على الحدود مع تركيا ، وتصادم الروسي - الايراني على تخوم مدينة حماة وادلب ، من خلال ميليشياتهما السورية على الأرض ، جميعها ، أعادت بشار الأسد إلى دائرة الخطر ، وزاد من شعور الخوف لديه ، قد تُقلب الطاولة عليه في اللحظات الأخيرة من زمن الصراع السوري المتبقي ، فلم يهدر هو الآخر ، كثيراً من الجهد والوقت وبتنسيق روسي ، في عرض ما تبقى لديه من « المزرعة الوديعة - جولان » على الإسرائيليين ، وتطوير شعار والده " الأرض مقابل السلام مع إسرائيل " الى شعار " الأرض مقابل سلامة الرئيس " ، وهكذا تبدد المخاوف الإسرائيلية وإلى الأبد ، ويطمأن الإدارة الأمريكية على حليفتها ، فقط مقابل شراء الرضا الإسرائيلي والصمت الامريكي عن جميع جرائمه المرتكبة بحق الشعب السوري ، وأبعاد طوق الحصار عن رقبته .
ليس وحده بشار الأسد ووالده ، عرضا سوريا للبيع في البازارات السياسية ، خدمة لمصالحهما ، وتجنباً لملاقاة مصير اشبه بنظرائهم من الحكام العرب ، الذين أسقطوا بثورات الربيع العربي ، بل انتقلت عدوة المقايضات الرخيصة إلى صفوف المعارضة السورية ، والتي تتخذ من تركيا ملجأً لها . فهي الأخرى ، لم توفر جهداً في الحفاظ على وجودها ومصالح قادتها ، مقابل التباهي بالاحتلال التركي لمدن وبلدات في الشمال السوري ، تبدأ من جرابلس وتنتهي بعفرين وادلب ، ولم تجد هذه المعارضة ، أي حرج في تمجيد وتجميل صورة المحتل الجديد ، المختبئ وراء ستار " دعم ثورة الشعب السوري ضد نظامه " ، وباتت شعارات الترحيب بالمحتل التركي ، ورفع صور رئيسه ، رجب طيب أردوغان ، وتنصيب العلم الاحمر ذات الهلال السمّة الأبرز ، في معظم الساحات وعلى جدران المدارس والدوائر الوظيفية في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة .
ولا يخفى ، أن تجد اشجعهم ، يبرر هذه الاستباحة والاسترخاص للتراب السوري ، بمقولة : " ليس حباً في معاوية ، ولكن كرهاً في علي " ، بينما آخرون يقولون : " على خطى رئيسنا ماضون " في بيع وطننا بالتقسيط .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



