لم تحقق ما تسمى بـ "الثورة السورية" التي بدأت عام 2011 أياً من الأهداف التي قامت من أجلها لا على الصعيد السياسي ولا الحقوقي أو الاجتماعي أو حتى الأخلاقي، ولم تحقق أية قيمة من القيم التي سعى ويسعى السوري منذ تاريخ طويل من اجل بناء مجتمع مدني يسوده العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وو.. الخ.
بل على العكس من ذلك أنتجت المسماة بـ "الثورة" الكثير من المفاهيم السلبية التي أثرت بشكل خطير في البنى الأخلاقية للإنسان السوري، حتى بات أكثر مستقبله مهدداً بالكثير من الحروب الانتقامية والطائفية نتيجة لافرازات ذلك الحدث الاستثنائي الخطير ونتائجه من التي مازالت تأكل السوري قبل الآخر من المذهبية المقيتة والفاشية الأيديولوجية والقتل على الهوية والإرهاب والسرقات، بالإضافة إلى التدخلات الخارجية الفاضحة من دولية واقليمة تدخلت من قبل قوى خارجية، ولم تقتصر تلك القوى احتلت مناطق واسعة منها وفرضت أيديولوجياتها وسياساتها على تلك المناطق الوطنية السورية بحجة مساعدة الشعب السوري.
وفي مقالنا هذا سنركز على سوريا بالذات على اعتبار ما جرى فيها خلال الـ 12 سنة الماضية لم يجر في أي بلد آخر من العالم في سياق المسيرة التاريخية للشعوب، وبالتالي إحالته إلى التوصيف الأكثر دقة وهو "فعل الخداع التاريخي" الذي جرى في سوريا "الخداع" للمفاهيم القِيمية والأخلاقية، حسبما تشير الوقائع التي أفرزتها تلك الاحداث الاستثنائية الدامية التي اندلعت بداية حملت في طياتها دلالات ومعاني كثيرة وكبيرة لكن سرعات ما تحولت، أخذت اتجاهات معاكسة للاهداف التي جاءت من أجلها، حيث فسر المراقبون هذا التحول لأسباب ربما هي افتراضية قياساً بالنتائج وواقعية علمية في بعض المواقع، منها على سبيل المثال وليس الحصر أن القائمين على هذا الحراك لم يكونوا في مستوى الواقعة السورية بكل ما تحمل من تناقضات تاريخية لمجموعاتها القومية، والأيديولوجية والسياسية والثقافية، متجاوزة الشروط التاريخية والثقافية لبنى المجتمع السوري.
ان ما جرى في سوريا عبر ما يزيد عن عقد من الزمن خاصة كان خداعاً أخلاقياً قبل أن يكون وطنياً أو سياسياً مارستها المجموعات التي أدارت هذا الحراك وخاصة في الجزء العربي من هذا الحراك! كان خداعاً للقيم والمبادئ الإنسانية التي سعى إلى تحقيقها! إن المعطيات العلمية تؤكد أن العملية لم تأت من الصدفة، لكن ليس بالمعنى الذي رواه النظام البعثي على أنها مؤامرة كونية منذ البداية وحتى الآن. والغاية منها ضرب سوريا (الممانعة) كما يدعي؟ّ فالمؤكد في القضية، هي قوى محلية وإقليمية دينية "تنظيم الاخوان المسلمين العالمي" جاءت بتخطيط وبرنامج بعد أن تخطى الحراك لحظاته الأولى لتستغل تلك القوى الوضع السوري العام وما حلفته عقود الحكم المستبد لحزب البعث العربي الاشتراكي.
لقد لعب التيار الاسلامي العربي والإقليمي وفي مقدمتهم تنظيم الاخوان المسلمين العالمي حسبما تشير معطيات دراسية عن هذا التنظيم الذي تقوده دولتي قطر "العائلة الأميرية" وتركيا "حزب العدالة والتنمية التركي الذي يقدوده الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان" وتبين القراءات والنتائج وبكل وضوح أن هذا التنظيم القوي في سوريا (العربية) استغلت أحلام وبساطة الوعي لدى العديد الشرائح السورية، الذي تبين لاحقاً أنه لم يكن بمستوى الوعي القادر لإستيعاب المعادلة السورية وواقعها ومستقبلها والعناصر التي تشترك فيها! ولم يكن هناك مجموعة أو شخصية يمكنها قيادة هذا الحراك ومواجهة تحديات جمة منها موضوعية تتعلق بالتناقضات في المصالح العالمية الكبرى من جهة والمفاهيم الحديثة في قضايا الفكر والسياسة وحقوق الانسان! أما التحديات الذاتية "الداخلية السورية" منها اولا تركيبة النظام الأمنية القمعية وتشابك علاقاته مع الداخل نفسه ومع المنظمات والقوى في الإقليم المحيط بسوريا "لبنان، العراق، ايران، روسيا، وغيرها".
وأخيراً سيطرة المفاهيم الثقافية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية ذات النتاج الديني على المجتمع السوري منذ عشرات العقود! والتي امتدت أكثر افقياً وعمودياً وبشكل أكثر راديكالية! ومازالت للأسف تمتد خاصة في المناطق التي تسيطر عليها تركيا "شمال غرب سوريا".
إذاً.. ماذا وكيف يمكن يعيد أو تعيد أو نعيد نحن قراءتنا لمواقف النخبة العربية عامة كـالمفكر اللبناني "أمين معلوف" والسورية خاصة كالمفكر الراحل صادق جلال العظم؟ التي جاءت معاكسة تماماُ لقرائتهم.
هل كانوا سذج وبسطاء لمستوى أنهم لم يستطع قراءة اللحظة؟ هل كان الحقد الاعمى على بشار الأسد كشخص أعمت بصيرتهم فارتكبوا الخطيئة التاريخية بحق أنفسهم أولاً وبحق التاريخ والشعب السوري عامة! ليقعوا ضحايا الخداع الإسلامي.
المفكر السوري صادق جلال العظم:
"الثورة السورية هي ثورة، سواء تأسلمت أو تعلمنت"، هي كاشف أخلاقي وإنساني وثقافي لكل البديهيات القديمة. وأنا العبد الفقير لله وحرية الإنسان سأبقى معها. حتى لو التهمتني، حتى لو كنت من ضحاياها. حتى لو دفعت الثمن غالياً جداً لا يقل عن حياتي. سأبقى منحازاً لها، ما دمت قادراً على التنفس". صحيفة العربي / ساميّ حسن 2017 بالإضافة إلى مقال طويل نشره العظم بعنوان "سوريا في ثورة" 23 آب 2014 في صحيفة الجمهورية مشبهاً ذلك الحراك بثورة الشعب التشيلي ضد الديكتاتور بينوشيه وان هذه الثروة ستغير وجه التاريخ! إن ما آلت اليهما سماه العظم بالثورة إلى محرقة لكل قيم البشرية حيث لم تشهد تاريخ المنطقة والعالم ما تشهده البقعة السورية من جرائم وإرهاب وخاصة تلك المناطق التي تسمى بـ "المحرر" والتي تسيطر عليها المجموعات المدعومة من تركيا! وهي المجموعات التي قادت وتقود ذاك الحراك منذ 2013 فمن معارك جسر الشغور المعروفة في تاريخ هذا الحراك حيث كانت بداية سرقة الإسلاميين للثورة بالاتفاق مع الحكومة التركية "حزب العدالة والتتنمية" الإسلامي النزعة! حيث أخذ ذاك الحراك المنحى المعاكس لأحلام السوريين بالتغيير وتحقيق مجتمع مدني بعيد عن القبضة الأمنية القمعية التي حكم بها حزب البعث العربي الاشتراكي لأكثر من 60 عاماً.
أما الاستاذ والمفكر الفرنسي من اصل لبناني أمين معلوف "أنا أحد منتنمي منهجه الفكري ومتاثراً برؤيته لقضايا الانسان والمجتمعات" هل كان هو الآخر كان ضحية ذلك الحراك.
قال معلوف في معرض إجابته على عبد الإله الصالحي في حوار لـفرانس 24 ونشره موقع SOURIA HOURIA بتاريخ 25 حزيران :
"كنا في غيبوبة واستفقنا" متابعاً، أعتقد أن ما يجري منذ مطلع هذه السنة 2011 ربما هو أهم ما حصل في العالم العربي منذ قرون. هذه النهضة الجديدة، نهضة الحريات، المطالبة بالديمقراطية، الجرأة على التحرك، هذا ما كنّا ننتظره منذ صبانا. ولم نكن في الحقيقة نتوقع ونأمل أن يحصل كما هو الآن. ربما جاء مفاجأة، لكنها مفاجأة سارة. صحيح أن هناك معاناة وضحايا بالمئات وربما بالآلاف، لكنها في الوقت نفسه ولادة عالم عربي جديد له مكانته في العالم، وسيكون له دوره بين أمم العالم.
كنا في غيبوبة واستفقنا. أنا لا أوافق الذين يتخوّفون مما سيحصل. شعوري أن ما حصل هو أمر مهم جداً وإيجابي للغاية.
وقياساً بنتائج الخطيرة لذاك العظيم الذي تحدث به الأستاذ أمين معلوف، فإن هناك أمرين يمكن للمرء استخلاصه:
1- خطيئة كبرى لمفكر عربي وعالمي كبير بسبب عدم قرائته الصحيحة لمفردات الحدث بشكل علمي ومنهجي وتجازوه للشروط الثقافية والتاريخية لمجتمع يعيش حالة من التخلف على مدى قرون طوال .
2- أو أنه وحسب متابعين قمت بسؤالهم وطلبوا عدم ذكر اسمهم أنه وقع ضحية لصديقه د. برهان غليون قبل أن يقع ضحية الحدث العام معتمداً على ما كان ينقل له برهان غليون "الاسلامي التوجه والقومي النزعة" ورسم صورة غير حقيقية عن ما يجري في سوريا وأنها ثورة تحمل في رسالتها قيم الحرية والديمقراطية رغم انها اتخذت من الأماكن الدينية الاسلامية "الجوامع" مراكز تخطيط وقرارات تتعلق بآلية إقامة المظاهرات والنشاطات الجماهيرية وطرح الشعارات الدينية وحتى المذهبية في خطاباتها، لكن سرعان من انكشفت حقائق خطيرة عن هذا الحراك الذي شكل اخطر ما مر على سوريا والمنطقة من مراحل في التاريخ القديم والحديث! وهذا ما يؤكده معلوف شخصيا في نفس الحوار السابق:
أنه يتفق مع زميله برهان غليون بدعمه وتأييده لما تسمى بالثورة السورية وأنها تمثل قيم الحرية والديمقراطية! ما يشبه ويتفق مع مضمون ما سبق في كتابه عالم الفوضى حيث تفضل قائلاً: إن الربيع العربي الذي انطلق في عام 2011 يشكل أقوى وأفعل رد على اعتداءات أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن.
لقد استطاع التنظيم العالمي للاخوان المسلمين بقيادة تركيا وحزب العدالة والتنمية ذات "المنهج الاسلامي" وبسرعة فائقة احتواء كل الحراك السوري مستغلين أولاً الواقع السوري المرير وحالة القمع والقبضة الحديدية للنظام السوري، واستغلال الحالة الثقافية العامة للمجتمع السوري التي يسطر عليه المفاهيم الإسلامية، حيث لعب الدور الأكثر سلبية في تحويل أحلام الشعب السوري بالحرية إلى حالة من القتل والحرب فيما بينهم، وتحويل ذاك الحراك إلى صراع قومي وديني بين عموم الشعب السوري المتعدد الانتماءات القومية والدينية حتى باتت ما يمكن ان نسميها مجزرة إرهابية تشارك فيها العديد من القوى المحلية والإقليمية والدولية .



