بعد أكثر من اثني عشر عاماً على الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي ضد الإيزديين، لا يزال هناك سؤال ثقيل قد يتجاوز ما ارتكبه التنظيم إلى ما أنجزته الدولة لإنصاف ضحاياها من أهالي سنجار المغلوبين على أمرهم.
فإلى جانب ما تعرض له أولئك الأهالي من قتل وفتك وسبي وتهجير وتغيير للمعتقد، لا يزال هناك انتظار للمفقودين، ومعاناة نزوح مستمرة، وتعثر في الإعمار. ومع ذلك، يجد الإيزديون أنفسهم أمام أسئلة متكررة عن ولائهم وانتمائهم، وكأن الضحية مطالبة بإثبات وطنيتها قبل استعادة حقوقها.
وعليه، دعونا نناقش المسافة بين مسؤولية الدولة وتجربة أهالي سنجار، وهنا يُطرح سؤال مهم للغاية: كيف يستقيم الاعتزاز بالوطن حين تتعثر ضمانات المواطنة؟ إن صون الانتماء يبدأ بإنصاف الإنسان، ولا يتحقق بتحويل هويته إلى ساحة للتجاذب السياسي، بينما تبقى مطالبه في الأمن والكرامة والعدالة مؤجلة.
تعالوا معي لنعرّج على أبرز مطالب الإيزيديين في العراق التي لم تُنفَّذ أو لم يكتمل تنفيذها حتى الآن:
1. حتى هذه اللحظة، لم تخطُ حكومات بغداد المتعاقبة أي خطوة للكشف عن مصير المختطفين والمفقودين.
2. تم فتح بعض المقابر الجماعية، ولكن لا تزال هناك عشرات المقابر التي لم تُعالَج من حيث فتحها وتحديد هويات الضحايا وتسليم الرفات إلى ذويهم.
3. هناك العشرات من مرتكبي الإبادة الجماعية والمتورطين في السبي والاسترقاق لم يتم القبض عليهم والتحقيق معهم، وهم يسرحون ويمرحون.
4. لم تقم تلك الحكومات بتوفير الجو المناسب لضمان العودة الطوعية والآمنة والكريمة للنازحين، وإنهاء معاناة المخيمات. في حين تم استقبال واحتضان العشرات من عوائل داعش من مخيم الهول في سوريا إلى مخيم الجدعة القريب من سنجار (إسكان الجاني مع الضحية).
5. لا توجد على أرض الواقع خطوات جادة لتطبيق تصريحات الحكومات المتعلقة بإعادة إعمار سنجار والقرى المدمرة، وتأهيل المستشفيات والمدارس وشبكات الماء والكهرباء.
6. لم تهتم تلك الحكومات نهائياً بموضوع العدالة الانتقالية وجبر الخواطر بعد الكوارث التي لحقت بأهالي سنجار العزل، والتي اقترفها جيرانهم من "دواعش" المنطقة نفسها.
7. يكاد يكون توفير الأمن المستدام، وإنهاء تعدد مراكز السيطرة المسلحة، وإشراك أبناء المنطقة في حمايتها وإدارتها، أمراً معدوماً.
8. إجراءات التنفيذ الكامل لقانون الناجيات الإيزديات، بما يشمل السكن والتعليم والعمل والرعاية الصحية والنفسية، بطيئة للغاية، وأحياناً تعلو بعض الأصوات لتغيير ذلك القانون بحسب أهواء البعض.
9. يواجه صرف التعويضات والمستحقات ومنح العودة لجميع المستحقين، وتبسيط إجراءات الحصول عليها، عشرات العراقيل الإدارية.
10. لم يتم حتى الآن استكمال تثبيت ملكية المنازل والأراضي وإصدار سنداتها.
11. حتى هذه اللحظة، لا يوجد ضمان للتمثيل السياسي والإداري الفعلي، والمشاركة في القرارات المتعلقة بمستقبل مناطقهم. فقد كان للإيزديين مستشار لرئيس الوزراء في حكومة السوداني، وتم إنهاء مهامه في الحكومة الحالية، وحتى الآن لم تُحسم معضلة الفراغ الإداري في سنجار.
12. لا توجد خطوات جادة لمكافحة التمييز الديني والاجتماعي، وضمان المساواة في التعليم والتوظيف والخدمات.
13. لم تُتخذ حتى الآن إجراءات فعّالة ضد خطاب الكراهية والتحريض الديني والتكفير الموجّه إلى الإيزديين، ومحاسبة المحرّضين.
14. لم يقر البرلمان العراقي حتى الآن بأن ما جرى للإيزديين في 3 آب 2014 على أيدي داعش الإرهابي هو إبادة جماعية، ولم يقم بإنشاء آلية قضائية مختصة بجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، علماً أنه توجد مقترحات لإنشاء محكمة دولية أو مختلطة، وعدم الاكتفاء بالملاحقة بتهم الإرهاب.
والآن، بعد مرور أكثر من 12 عاماً على الإبادة الجماعية بحق أهالي سنجار، كيف يُطلب منهم أن يفتخروا بانتمائهم الوطني، وجميع مطالبهم الأساسية معلّقة، وكرامتهم وعزتهم وحاضرهم ومستقبلهم رهينة الوعود؟ يجب أن يعلم الجميع بأن الانتماء ليس امتحاناً يُفرض على الضحية، كما أن الوطنية لا تُقاس بقدرة المظلوم على الصمت. وهنا، لأهل سنجار الحق كله أن يسألوا: أين كان ذلك الوطن عندما استُبيحت أرضنا وعِرضنا، وأين هو ذلك الوطن الذي ننتظر منه العدالة والعودة والأمان؟ ليس المطلوب منهم أن يتخلّوا عن الوطن، بل المطلوب من الدولة أن تثبت أنها لم تتخلَّ عنهم. فمحبة الأرض قد تبقى رغم الخذلان، لكن الاعتزاز بالدولة يحتاج إلى حقوق مصانة ومواطنة متساوية. لا تُبنى الأوطان بمطالبة المنكوبين بالوفاء، وإنما بوفائها لهم، وبجعلهم يشعرون أن حياتهم وذاكرتهم ومستقبل أطفالهم مسؤولية وطنية، لا عبئاً مؤجلاً.
ومع كل هذا وذاك، نجد بين الحين والآخر محاولات وأصواتاً من شأنها إلهاء الإيزديين، وخاصة أهالي سنجار، بموضوع الانتماء الوطني والقومي والمناطقي، والهدف هو محاولة غض النظر عن الغبن والظلم اللذين لاقاهما ويتلقاهما أهل سنجار من السياسات والأجندات المختلفة، وعن التهميش والتقصير والإقصاء المذكور في النقاط آنفاً.



