لم أفهم ما كانت تقوله أم هلكوت وهي تقف عند حافة القبر. كنت أرقبها من شاشة التلفزيون، وبعيدة عن لغتها بمسافة كبيرة، لكنني كنت أفهم جيداً ما كانت تقوله يداها وهما تتحركان في الهواء بعجز ولهفة وألم، كانتا تشيران إلى التراب الذي ينهال فوق جسد ابنها، وكأنهما تتوسلان الجميع: لا تدفنوا ولدي.. أزيلوا عنه التراب.. أعيدوه إليّ. في تلك اللحظة، أدركت أن الأمهات لا يحتجن إلى لغة. الفقد له لغة واحدة، والدموع لها لهجة يفهمها البشر جميعاً.
لا أعرف هلكوت عزيز بالمعنى التقليدي للمعرفة. لم أجلس معه يوماً، ولم نتبادل حديثاً عابراً في ممرات المؤسسة أو في استراحة العمل. جغرافيا المهنة كانت تضعه في مكتب بغداد، وتضعني في المقر بأربيل. لكن غرف الأخبار لها قانونها الخاص، فهي تجعلنا نعرف بعضنا من الأسماء على الشاشة، ومن الأصوات التي تمر في الاجتماعات، ومن الرسائل السريعة التي تسبق نشر الخبر أو تليه.
في العمل الصحفي، نتعامل مع الموت كل يوم. نحرر أخبار الحروب، ونعدّ أرقام الضحايا، ونراجع صور الدمار، حتى يخيل إلينا أن بيننا وبين الفقد مسافة مهنية آمنة. لكن الحقيقة أن هذه المسافة تنهار في لحظة واحدة، حين يتحول صانع الخبر إلى خبر.
خرج هلكوت إلى واجب مهني، كما خرج مئات المرات من قبل. ركب سيارته مع زميله المصور، وفي ذهنه أن يعود بمعلومة أو صورة أو شهادة تنقل للناس ما جرى. لكنه عاد هذه المرة في كفن. عاد خبراً عاجلاً تتناقله الشاشات، لا تقريراً أعده بيده.
في ذلك الصباح الحزين "الذي سيظل عالقاً في ذاكرتي الممتدة على خارطة حروب الوطن"، لم تكن غرفة الأخبار كما نعرفها. كان هناك صمت ثقيل يسبق الكلام، ودموع لا تخجل من الظهور، وزملاء يحاول كل منهم أن يستعيد موقفاً أو كلمة أو ابتسامة جمعته به. كانوا يتحدثون عن أخلاقه وتعاونه وسماحته، وكأنهم يقاومون فكرة أن إنساناً يمكن أن يغيب بهذه البساطة.
مراسم دفنه نُقلت لنا مباشرة من مقبرة كركوك، رأيت أباً انحنى ظهره دفعة واحدة، وزوجة شابة فقدت شريك عمرها قبل أن تكتمل الحكاية، وأطفالاً سيدركون لاحقاً أن والدهم لم يمت في حادث عابر، بل مات وهو يفعل ما أحب، ويؤدي ما آمن أنه واجبه.
المهنة التي نحبها قاسية أحياناً. فهي تطلب من الصحفي أن يكون شاهداً على الألم، لكنها تنسى أنه إنسان أيضاً، له بيت ينتظره، وأم تدعو له، وزوجة تترقب عودته، وأطفال يركضون نحوه عند الباب. وحين لا يعود، لا تخسر المؤسسة موظفاً فقط، بل تخسر عائلة بأكملها جزءاً من روحها.
عندما وصلنا خبر رحيل هلكوت، كتبت كلمات قليلة ثم توقفت. شعرت أن اللغة، التي نعتمد عليها كل يوم لنصف العالم، عاجزة هذه المرة عن وصف ما حدث. كيف يمكن للكلمات أن تتسع لمشهد زميل ذهب ليغطي حدثاً، فإذا بالحدث يبتلعه؟ وكيف يمكن لمحرر خبر أن يحرر خبر وفاة من كان قبل ساعات جزءاً من غرفة الأخبار؟
اليوم تعلمت بالطريقة الصعبة، كلمة كوردية جديدة. "ماڵئاوا".
لكن بعض كلمات الوداع لا تشبه الوداع. هي مجرد محاولة صغيرة لمقاومة الغياب، وللإمساك بظل إنسان مرّ من هنا وترك في قلوب من عرفوه، وحتى من لم يعرفوه مثلي، حزناً أكبر من الكلمات.
"ماڵئاوا" هلكوت العزيز علينا كلنا.. ولعل أقسى ما في الحكاية أن الصحفي الذي خرج ليخبر الناس بما يحدث في العالم، أصبح هو الحكاية التي يرويها الجميع.


