يعيش العالم اليوم تحت وطأة ما أسماه الفيلسوف الكندي "آلان دونو" بـ "نظام التفاهة"،وهو نظام غير مرئي، أصبحت فيه الرداءة والسطحية هي المعيار المقبول، بل والمربح.
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى الحاضنة الكبرى لهذا النظام، حيث يتم تصدير التافهين كقادة رأي، وتهميش أصحاب الفكر والكفاءة.
في العراق، لم يعد "نظام التفاهة" مجرد مقاطع فيديو عابرة على شاشات الهواتف، بل تحول إلى سلطة واقعية تعيد صياغة الوعي وتتحكم في المشهد العام. وتكمن خطورته في تحالفه غير المعلن مع الأزمات الحقيقية لتغييب العقول وتسطيح المجتمع.
ويتجلى أثر هذا النظام على أرض الواقع العراقي في ثلاثة مظاهر رئيسية:
أولاً: صناعة "الترند" المخدّر
كلما واجه الشارع العراقي أزمة حقيقية ضاغطة - نقص خدمات، بطالة، أو صراع على المناصب - تنشط الخوارزميات والجيوش الإلكترونية لتوجيه الرأي العام نحو "معارك وهمية" وفضائح مشاهير مصطنعة. يُستبدل نقاش الأزمات المصيرية بسجالات عبثية تستنزف طاقة المجتمع وتُلهيه عن المطالبة بحقوقه.
ثانياً: انقلاب الهرم القيمي
خلق هذا النظام واقعاً مريراً يُهمّش فيه الطبيب والمهندس والأستاذ والخريج الكفوء، بينما يُصدَّر التافهون والمبتذلون كـ "قادة رأي" تُفتح لهم القنوات الفضائية والمحافل الرسمية. هذه المعادلة ترسل رسالة مدمرة للأجيال الناشئة مفادها أن الابتذال هو أقصر الطرق للوجاهة والثراء، وليس العلم والنزاهة والاجتهاد.
ثالثاً: التخادم والتوظيف السياسي
التقت مصلحة "السياسي اللاهث" خلف السلطة مع "صانع المحتوى اللاهث" خلف المشاهدات. بات يُستثمر في الجهل والتسطيح كأداة لتمرير الأجندات، وتوجيه بوصلة الشارع العراقي بعيداً عن الرقابة والمحاسبة، عبر لقاءات وتغطيات شعبوية فارغة المضمون.
الخلاصة
إن نظام التفاهة الرقمي في العراق ليس تسلية بريئة، بل هو تجريف ممنهج لبنية المجتمع وثقافته وعمقه الحضاري. ومواجهته لا تكون بالمنع فقط، بل بوعي المواطن الذي يجب أن يدرك أن مقاطعة المحتوى الهابط، ودعم المحتوى الرصين، هي أولى خطوات استعادة هيبة الكفاءة وبناء الوطن.



