في ذكرى يوم التضامن العالمي مع
كوباني، نقف أمام مفارقة أخلاقية وتاريخية لا يمكن السكوت عنها: كوباني لم يتم
انصافها.
في الأول من تشرين الثاني 2014،
خرج العالم كله، قامشلو إلى آمد وهولير والسليمانية إلى باريس وواشنطن وبرلين
وغيرها من المدن، يهتف "كوباني". كانت مدينة صغيرة على الحدود، محاصرة
من ثلاث جهات بداعش ومن الجهة الرابعة بجدار صمت، تصنع ما عجزت عنه جيوش. شبان
وشابات بأسلحة خفيفة، يقاتلون أعتى تنظيم إرهابي عرفه العصر الحديث، والذي كان قد
ابتلع الموصل والرقة ودير الزور في أيام.
كوباني انتصرت. ليس انتصاراً
عسكرياً وحسب، بل انتصاراً رمزياً للإنسانية كلها. هناك سقطت أسطورة "الدولة
التي لا تُقهر_باقية وتتمدد". ومن هناك بدأ العد التنازلي لداعش.
ولكن، هل أنصفت كوباني؟ الجواب
المؤلم: لا.
وأقل أشكال عدم الإنصاف هو الرمزي
منه، وهو ما يوجع أكثر من الدمار الحجري. إذْ كيف تُعقد عشرات المؤتمرات الدولية
لمكافحة الإرهاب في واشنطن، ميونيخ، الدوحة، باريس، الرياض، أنطاليا وعمان وغيرها،
وتُتلى فيها الخطب الطويلة عن خطر التطرف، دون أن يُدعى إليها الطرف الأكثر حضوراً
وتضحية: قوات سوريا الديمقراطية و وحدات حماية الشعب والمرأة، الذين قدموا أكثر من
عشرين ألف شهيد وجريح ومصاب حرب في الحرب ضد داعش؟.
كيف يُعقد مؤتمر ضد الإرهاب
ويُقصى من هزمه على الأرض؟ هذا ليس جحوداً سياسياً فقط، بل هو تزوير للتاريخ.
لذا فإن إنصاف كوباني لا يكون
بالشعارات، بل بمسارات واضحة:
أولاً: عالمياً، حرب الاقتطاع
والاجتزاء
ما جرى قبل عدة أيام ليس مجرد تداول لفيديو قديم للجنرال الأميركي
ريموند توماس من عام 2017، بل هو تكتيك حرب خاصة ممنهج. يُقتطع من حديثه عشرون
ثانية فقط - "طلبنا منهم إضافة كلمة الديمقراطية" - وتُحذف جملته
المركزية: "قسد هي الشريك الوحيد الفعّال ضد داعش".
الهدف من هذا الاجتزاء هو صناعة
رواية كاملة: أن تاريخ قسد مزيف، وأنها مجرد "منتج أميركي" صُنع
واستُخدم وانتهى، ودليلهم هو إقصاؤها اليوم من مؤتمرات مكافحة الإرهاب.
وهذا قلب للحقيقة. الفيديو لا
يثبت أن قسد صناعة أميركية، بل يثبت أن أميركا اضطرت لتغيير الاسم لإرضاء تركيا.
أما قوات سوريا الديمقراطية الكوردية العربية والسريانية الآشورية الأرمنية
والتركمانية؛ فكانت موجودة قبل التحالف، بدماء أبناء كوباني قبل أول دعم فرنسي
ودخول أول طائرة أميركية. الخطورة ليست في الفيديو، بل في الاستنتاج المفروض: إذا
تخلت أميركا عن قسد، فلماذا تتمسكون أنتم بها؟.
ثانياً: سورياً، كوباني يجب أن
تكون جسراً لا خندقاً
بدون مبالغة حين القول أن مقاومة كوباني كانت اسطورة. وصحيح تماماً حين القول بأن كوباني دافعت عن كل
السوريين، لكن كثيراً من السوريين لم يدافعوا عن روايتها. شبابها هم من حمى سد
تشرين ومنبج والرقة، وحرروا بيوت السوريين من داعش. ومن أجل ذلك فإن إعادة اعتبار
كوباني سورياً تعني إدخال معركتها في المناهج الوطنية كمعركة وطنية، وليست معركة
حزب أو قومية. وتعني أن تكون أولوية في الإعمار، لا آخرها.
ثالثاً: قيمياً، كوباني والمرأة..
الدرس المنسي
وهذا ما يجعل عدم إنصاف كوباني
مضاعفاً. داعش كان يعتبر المرأة سبية وغنيمة وعورة. كوباني ردت عليه بآرين ميركان
وبيريڤان وآلاف المقاتلات اللواتي حملن السلاح وقلن "لا". لم تكن مشاركة
المرأة شعاراً للمساواة، بل كانت شرطاً للانتصار. لقد أثبتت كوباني أن المرأة ليست
"عرضاً ناقصاً"، بل هي كما قال مولانا جلال الدين الرومي "نور من
نور الله، خلّاقة وليست مخلوقة". إن أي إعادة اعتبار لكوباني دون وضع المرأة
الكوبانية وجميع وحدات حماية المرأة في المقدمة، هو الخطوة الناقصة في عدم محاربة
داعش والتصدي لغلوه وتطرفه: (لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة).
رابعاً: كوردياً، الفرصة التي مازالت
متاحة
كوباني قاومت لأنها كانت موحدة.
خُلق في كوباني وعياً مجتمعياً له أسبابه الفكرية. إحدى تبدياته في أن كل البيوت
فتحت مطابخها للمقاتلين، وكل الأمهات اعتبرن كل المقاتلين أبناءهن. وصُنّع في
كوباني لأول مرة معلنة: جبهة الدفاع الكوردي المشروع -يجب اعلانها مرة أخرى كمخرج
من مخرجات المؤتمر الكوردستاني- فتدفق إلى
كوباني الآلاف من الكوردستانيين (كريلا وبيشمركه ومتطوعين). ولذلك كانت كوباني
لحظة إجماع كوردستاني نادر.
قبيل كوباني عقدت اجتماعات في
هولير/ أربيل حزيران وآب 2013، وبعد كوباني كانت كل الأمور مهيأة لعقد المؤتمر
الوطني الكوردستاني: وحدة كوردية، ودفاع مشترك، ولغة واحدة بلهجات متعددة، ومصير
واحد. تلك اللحظة التاريخية لم تكتمل، لكنها لم تنته أيضاً.
اليوم، وما زالت الفرصة متاحة،
فوحدة الصف الكوردي ليست ترفاً سياسياً، بل هي شرط لحماية تضحيات آلاف الشهداء
واحقاق الحقوق الكوردية الطبيعية المتعارف عليها. المؤتمر الوطني الكوردستاني يجب
ألا يتأخر أكثر من ذلك. فالعالم الذي تضامن مع كوباني لأنها كانت موحدة، ينتظر أن
يرى هذه الوحدة مؤسسة لا عاطفة عابرة.
كوباني هذه اللحظة ليست مدينة
وحسب. كوباني رؤية. فكرتها أن شعباً صغيراً، محاصراً، يمكنه أن يقول لا لأكبر آلة
قتل في عصره وينتصر.
أما إنصاف كوباني اليوم لا يكون
بتمثال في ساحة، ولا بمؤتمر خطابي. يكون بأن لا تُترك وحدها مرة أخرى. لا في
السياسة، ولا في الإعمار، ولا في الذاكرة.
أم المدائن تستحق أكثر من
التضامن. تستحق العدالة.
- سياسي كوردي سوري

.jpg&w=3840&q=75)
