تجد منطقة الشرق الأوسط نفسها
أمام مرحلة جديدة من القلق السياسي والأمني، مع تصاعد المؤشرات على احتمال استئناف
المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بعد
الرابع من تشرين الثاني 2026م. وبينما لايزال احتمال الضربات الجديدة مرتبطاً
بحسابات سياسية وعسكرية لم يُحسم قرارها النهائي، تبرز كوردستان العراق بوصفها
إحدى أكثر المناطق المعرضة لتداعيات أي تصعيد، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع
واشنطن وطهران.
وفي هذا المشهد، يكتسب موقف رئيس
إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، أهمية خاصة، لأنه يعبر عن محاولة سياسية واضحة
لإبعاد الإقليم عن الحرب، والحفاظ على علاقاته الدولية والإقليمية، ومنع تحويل
أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.
الحياد ليس موقفاً عابراً
منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية
على إيران في أواخر شباط 2026م، أكد نيجيرفان بارزاني أن إقليم كوردستان ليس طرفاً
في هذا الصراع، وأنه لا يريد أن يكون جزءاً من حرب لا تخدم مصالحه ولا مصالح
العراق.
وفي مقابلة مع صحيفة "كورييري
ديلا سيرا" الإيطالية في 10 نيسان 2026م، شدد نيجيرفان بارزاني على أن "لا
حل عسكرياً للأزمة الإيرانية"، داعياً إلى بذل الجهود لترسيخ وقف إطلاق النار
ومنع اندلاع الحرب مجدداً. كما أكد أن تغيير النظام الإيراني بالقصف الجوي أو
اغتيال القيادات ليس طريقاً مضموناً لتحقيق الاستقرار، وأن الحل ينبغي أن يكون
سياسياً ودبلوماسياً.
وتكشف هذه التصريحات عن رؤية
تتجاوز مجرد إعلان الحياد؛ فهي تنطلق من قراءة واقعية لطبيعة الصراع، وللمخاطر
التي قد تواجه إقليم كوردستان إذا اتسعت المواجهة. فالإقليم لا يمتلك القدرة على
التحكم في مسار الحرب، لكنه يمتلك مصلحة مباشرة في منع انتقالها إلى أراضيه.
وفي المقابلة نفسها، نفى نيجيرفان
بارزاني أن تكون الولايات المتحدة قد طلبت من الكورد التدخل عسكرياً داخل إيران،
مؤكداً أن موقف الإقليم واضح: "نحن أيضاً ضد استخدام أراضينا كقاعدة ضد
جيراننا؛ لا نريد أن نصبح جزءاً من هذه الحرب".
وهذا الموقف يحمل رسالة مزدوجة
إلى واشنطن وطهران؛ فهو يؤكد استمرار العلاقات مع الولايات المتحدة، لكنه يضع في
الوقت نفسه حدوداً واضحة لأي محاولة لجر الإقليم إلى مواجهة عسكرية مع إيران.
تصريحات MERI ورسالة
إلى القوى الكوردية
وفي كلمة له خلال منتدى الشرق
الأوسط للبحوث (MERI) في أربيل في 12 تشرين الأول 2026م، عاد نيجيرفان بارزاني
إلى تأكيد سياسة الحياد، مشيراً إلى أن الإقليم اتفق منذ بداية الحرب على عدم
المشاركة في صراع ليس صراعه.
وقال إن الجماعات الكوردية
الإيرانية المعارضة، التي توجد قواعد لها داخل الإقليم، تصرفت بصورة غير مسؤولة،
ووضعت كوردستان في موقف بالغ الخطورة. وأضاف أن وجود حدود مشتركة مع إيران بطول
نحو 600 كيلومتر يجعل من غير المعقول السماح لأي جماعة مسلحة بالعمل من أراضي
الإقليم وتهديد دولة مجاورة.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية في ظل
المخاوف من أن تستخدم بعض القوى الإقليمية الجماعات الكوردية الإيرانية ورقةً في
أي مواجهة مقبلة. فبارزاني لا يرفض فقط مشاركة قوات الإقليم في الحرب، بل يرفض
أيضاً أن تتحول كوردستان إلى منصة لعمليات عسكرية تنطلق منها جماعات أخرى.
ومن هنا، فإن سياسة الحياد ترتبط
كذلك بالحفاظ على الأمن الداخلي، وتجنب خلق مبررات لتدخلات عسكرية إيرانية جديدة،
وحماية المجتمع الكوردي من تداعيات صراع لا يملك قرار إشعاله أو إيقافه.
احتمال التصعيد ومخاطر الانتظار
تزداد أهمية هذه السياسة مع
التقارير التي تحدثت عن احتمال استئناف الضربات الأميركية على إيران بعد انتخابات
التجديد النصفي الأميركية المقررة في الثالث من تشرين الثاني. فقد نقلت وكالة
أسوشيتد برس عن دبلوماسيين مطلعين أن واشنطن حذرت عدداً من دول المنطقة من احتمال
تجدد الهجمات، ومن ردود إيرانية قد تستهدف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية.
لكنها أشارت أيضاً إلى أن الرئيس الأميركي لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن العملية.
وبذلك، فإن الرابع من تشرين
الثاني لا يمثل موعداً مؤكداً لبدء الحرب، بل تاريخاً تتداوله التقارير في سياق
تقديرات لاحتمال تصعيد عسكري جديد؛ غير أن مجرد تداول هذا الاحتمال يضع حكومة
إقليم كوردستان أمام ضرورة الاستعداد السياسي والأمني.
فإذا استؤنفت الضربات، قد تجد
أربيل نفسها أمام موجة جديدة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، سواء من
إيران مباشرة أو من جماعات مسلحة داخل العراق. وقد تتعرض المطارات والمنشآت
الحيوية والمناطق القريبة من المواقع العسكرية إلى مخاطر متزايدة، حتى لو لم تشارك
حكومة الإقليم في أي عمل عسكري.
وهنا تظهر أهمية التحذير الذي
أطلقه نيجيرفان بارزاني من أن الإقليم تعرض بالفعل لهجمات واسعة خلال الحرب
السابقة. ففي مقابلة مع الجزيرة في آب 2026م، أكد رئيس حكومة الإقليم مسرور
بارزاني أن كوردستان لا تريد أن تكون طرفاً في الصراع، لكنه أشار إلى أن البنية
التحتية للإقليم تعرضت لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
الحياد بين واشنطن وطهران
لا تعني سياسة رئيس اقليم كوردستان
السيد نيجيرفان بارزاني الابتعاد عن الولايات المتحدة أو التخلي عن العلاقات
الاستراتيجية معها، كما لا تعني الانحياز إلى إيران. إنها محاولة للحفاظ على مساحة
سياسية مستقلة، تتيح للإقليم التعاون مع واشنطن في ملفات الأمن والاستقرار، وفي
الوقت نفسه بناء علاقات حسن جوار مع طهران.
لكن هذه المعادلة ليست سهلة.
فوجود علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة قد يجعل الإقليم عرضة للاتهامات
الإيرانية، في حين أن أي تراجع عن هذه العلاقات قد يضعف موقعه السياسي والأمني.
ولذلك، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الحياد إلى سياسة عملية تحظى باحترام الأطراف
المتصارعة.
وتتطلب هذه السياسة تنسيقاً
مستمراً مع الحكومة الاتحادية في بغداد، وضبط الحدود، ومنع الجماعات المسلحة من
اتخاذ قرارات الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة. كما تتطلب موقفاً عراقياً واضحاً
يرفض استخدام الأراضي العراقية في الهجمات على إيران، ويرفض في الوقت نفسه
الاعتداء على الإقليم أو أي جزء من العراق.
كوردستان ليست ساحة للحرب
إن تصريحات السيد نيجيرفان
بارزاني تعكس إدراكاً عميقاً لحقيقة أن كوردستان، بحكم موقعها الجغرافي، قد تدفع
ثمناً باهظاً لأي تصعيد أميركي - إسرائيلي ضد إيران، حتى إذا التزمت الحياد الكامل.
ومن هنا، فإن موقفه يقوم على
ثلاثة مبادئ أساسية: رفض الحل العسكري للأزمة الإيرانية، عدم استخدام أراضي
الإقليم ضد دول الجوار، والعمل على ترسيخ التهدئة والحوار.
وفي حال تجدد الهجمات بعد الرابع
من تشرين الثاني، فإن نجاح هذه السياسة سيتوقف على قدرة أربيل وبغداد على حماية
المجال الجوي العراقي، ومنع الفصائل المسلحة من جر البلاد إلى الحرب، وعلى استعداد
واشنطن وطهران لاحترام خصوصية الوضع الكوردي.
وفي المحصلة، لا يمثل الحياد
ضعفاً سياسياً، بل خياراً استراتيجياً لحماية كوردستان من حرب لا تملك قرارها.
فالمصلحة الكوردية العليا ليست في الانخراط في مواجهة إقليمية مفتوحة، وإنما في
الحفاظ على الأمن والاستقرار، وتطوير العلاقات مع جميع الأطراف، والعمل على أن
تبقى كوردستان جسراً للحوار لا ميداناً للصراع.
.jpg&w=3840&q=75)

.jpg&w=3840&q=75)
