صوت الناخب مجرد رقم في معادلة تحسم خلف الأبواب المغلقة تفقد الديمقراطية معناها الحقيقي، في العراق لا تنتهي الانتخابات عند الصندوق، بل تبدأ بعدها لعبة الصفقات حيث تعاد صياغة النتائج بما يناسب التوازنات لا الإرادة الشعبية.
الناخب يذهب ليختار، لكن القرار النهائي لا يكون بيده، بل تفرض أسماء، وتمرر مناصب وكأن الصوت الشعبي مجرد خطوة شكلية في طريق تحدده التفاهمات السياسية، فتتحول بعض المواقع إلى مناصب شكلية، تدار من خلف الستار، لا تملك قرارها، بل تستخدم لتمرير قرارات الآخرين.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل ثقل القوى التي منحتها صناديق الاقتراع شرعية واضحة. فالحزب الديمقراطي الكوردستاني، بحجمه الجماهيري، لن يكون مجرد متلقٍ لقرارات الآخرين، بل شريكاً حقيقياً في القرار، بما يعكس وزنه الانتخابي وصلاحياته الدستورية.
حكم الشعب أم حكم الصفقات؟
في كل مرة تعلن فيها ملامح حكومة عراقية جديدة، لا يعود السؤال مجرد نقاش سياسي، بل يتحول إلى اتهام صريح للنظام نفسه هل نحن أمام ديمقراطية حقيقية، أم أمام مسرح تعرض فيه نتائج الانتخابات، بينما تكتب النهاية في مكان آخر؟ اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لا يترك مجالاً للخداع السياس الصورة باتت أكثر وضوحاً وقسوة وإرادة الناخب توضَع جانبا، وتستبدل بإرادة غرف مغلقة، حيث تقاس القوة لا بعدد الأصوات بل بقدرة الأطراف على التعطيل والضغط والمساومة.
في أي نظام ديمقراطي حقيقي هناك قاعدة لا تقبل التأويل الأكثر أصواتاً والأكثر تمثيلاً والأكثر تأثيراً في القرار لكن في العراق يبدو أن هذه القاعدة قد انقلبت رأساً على عقب وأصبحت أقرب إلى سخرية سياسية منها إلى مبدأ دستوري.
لنكن أكثر وضوحاً وأكثر جرأة. الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يحصد ما يقارب مليون صوت بل تجاوز المليون صوت فعلياً، متصدراً المشهد كأقوى حزب على مستوى العراق ككيان منفرد، دون الحاجة إلى تحالفات انتخابية ضخمة، وهذا الرقم ليس تفصيلاً بل هذا تفويض شعبي ثقيل لا يمكن القفز فوقه دون أن يدفع النظام كله الثمن وهنا تنفجر المفارقة كيف يمكن لحزب يمتلك هذا الثقل الجماهيري أن يعامل كرقم ثانوي في مفاوضات تشكيل الحكومة؟ كيف تمنح قوى أقل حضوراً في الشارع وأضعف تمثيلاً أدواراً أكبر وتأثيراً أعمق؟ كيف يعاد توزيع السلطة بطريقة تناقض بشكل مباشر نتائج صناديق الاقتراع؟.
هذا ليس خلافاً سياسياً بل هذا كسر صريح لجوهر الديمقراطية، والأخطر من ذلك، أن ما يحدث لا يعبث فقط بتوزيع المناصب بل يعيد تعريف مفهوم الدولة نفسها، حين تهمش قوة حصلت على أكثر من مليون صوت فإن الرسالة للناخب واضحة وقاسية هو إن صوتك لا يكفي، بل ربما لا يعني شيئاً.
في لحظة كهذه لا يعود الحديث عن توافقات مجرد مصطلح سياسي ناعم بل يصبح غطاء لعملية إعادة صياغة الإرادة الشعبية وفق مقاسات القوى المتنفذة، التوافق حين يستخدم لإلغاء الاستحقاق لا يكون حلاً، بل يكون أداة التفاف على الديمقراطية.
أما في ملفي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، فإن الخلل يتضخم أكثر هذه ليست مناصب شكلية بل أعمدة توازن الدولة العراقية، وحين تبنى هذه الأعمدة بعيداً عن الوزن الانتخابي الحقيقي فإننا لا نبني دولة بل نبني توازناً هشاً قابلاً للانفجار وإن تجاهل الحزب الديمقراطي الكوردستاني بكل ثقله الانتخابي، لا يمكن تفسيره كخلاف سياسي عابر بل كعرض لمرض أعمق نظام يكافئ من يعطّل ويهمش من يفوز، نظام يمنح القوة لمن يجيد التفاوض في الظل، لا لمن يفوز في العلن.
وهنا نصل إلى النقطة الأخطر والأكثر إزعاجاً. إذا كانت نتائج الانتخابات لا تترجم إلى سلطة وإذا كان أكثر من مليون صوت لا يكفي لضمان استحقاق سياسي، فما الذي تعنيه الانتخابات أصلًا؟ هل هي مجرد إجراء شكلي لإضفاء شرعية على قرارات تتخذ مسبقاً؟ هل تحولت صناديق الاقتراع إلى ديكور سياسي بينما القرار الحقيقي يصنع خلف الأبواب المغلقة؟.
هذه ليست أسئلة عابرة، هذه طعون في صميم العملية الديمقراطية العراقية وإذا كان حزب حصد أكثر من مليون صوت يهمش، فالمشكلة لم تعد في توزيع المناصب، بل في معنى الانتخابات نفسها. وإذا كان صوت الناخب لا ينتج سلطة، فالسؤال لم يعد من يشكل الحكومة، بل هل مازال العراق يحكمه صندوق الاقتراع، أم أن الصندوق أصبح مجرد واجهة لقرارات تكتب في مكان آخر؟.
