اتفاقيةُ سايكس بيكو أرادَ منها
مهندساها تسخير بلاد الآخرين ومواردها لمصالحهما، ضارباً عرض الخطوط الجغرافية
طموحات ومصير الشعب الكوردي، ومصير شعوب المنطقة، امتدّت آثارها مئة عامٍ من الألم
والظلم والتخلّف.
ألوانُ الخريطة القزحية، وفق رؤية التاريخ
ابتلعَتْ مصائر الشعوب حسب مصالح الطرفين، فلوّن بيكو مساحات كبيرة (الساحل
السوري) وكيليكيا ومناطق حلب ودمشق باللون الأزرق ليناسب مصالح فرنسا لعقودٍ
قادمة. ودلق سايكس لونه الأحمر على مناطق جنوب العراق من البصرة إلى بغداد إضافة
إلى صحراء غرب العراق. بهذه الترسيمة بقيت مصائر شعوب المنطقة في قفص ألوان
الخريطة السيئة الصّيت.
ما خطَّهُ المهندسان قسّم العائلة
الواحدة والشعب الواحد بين طرفي الرّسم الافتراضي على الورق، والسواتر على الأرض.
الأنظمة التي تبجَّحت بمحاربة الاستعمار قدّسَت تلك الحدود على أرض الواقع، وحافظت
عليها بأمانة أكثر ممّا توقعّها المهندسان، لأنّها تلائمُ مصالحها واستمرارها في
التحكم بمصير الناس.
الشّعوب التي يُصنَعُ مصيرُها على
طاولة الآخرين، بمعزلٍ عن إرادتها لن تجني غير التمزُّق السياسي والاجتماعي،
وخرائطها لن تكون سوى مساحةً بيضاء على موائد الأقوياء، يلوّنونها وفقَ حاجاتهم
واستراتيجيتهم، وقابلة للتغيُّر في كلّ عقدٍ أو قرن. لذلك على الشعب الكوردي وشعوب
المنطقة أنْ تظهر حيويته وإرادته في هذا المنعطف الخطير من تاريخ المنطقة، فإذا لم
يكن لاعباً ماهراً على أرض الواقع فقد يذهب ضحية اتفاقيات جديدة، تمرّرُ كحصان
طروادة من خلال من نسميهم إخوتنا في الأرض والتاريخ.
اشتدادُ الصّراعات الدولية على مناطق النفوذ في
خريف الدولة العثمانية (الرّجل المريض)، دفع الدبلوماسيينِ البريطاني والفرنسي إلى
هنْدَسَة الشرق الأوسط خرائطياً ليكون خزانة بشرية واقتصادية تمدّهما بالقوة
العسكرية ولإيجاد توازنٍ نوعيّ يحافظ على قوتهما أمام دول المحور (ألمانيا
وإيطاليا) التي شكّلت خطراً عليهما بعد تعاظم نفوذهما العسكري. وتعدُّ هذه
الاتفاقية تفاهماً سرياً أبرم في عام 1916 أثناء الحرب العالمية الأولى بين
بريطانيا العظمى وفرنسا، بموافقة روسيا على تفكيك الإمبراطورية العثمانية.
وقد أدّى الاتفاق إلى تقسيم المناطق
التي كانت خاضعة للسيطرة العثمانية وهي سوريا والعراق ولبنان وفلسطين إلى مناطق
تخضع للسيطرة الفرنسية، وأخرى تخضع للسيطرة البريطانية. وقد سميت الاتفاقية
«14/5/1916م» باسمي المفاوضَينِ اللذين أبرماها وهما (سير مارك سايكس) البريطاني و(جورج
بيكو الفرنسي).
وهذه الحدود هي حدود مصطنعة لا تُلبّي
إرادة الشعوب، وتعادي مصالحها، وتمزّق النسيج الاجتماعي في المنطقة، ويجب أنْ
تُلغى، وقد أصاب الرئيس مسعود بارزاني في قوله: "إن الحدود الموروثة من
اتفاقات سايكس - بيكو هي حدود مصطنعة وأن الحدود الجديدة في المنطقة ترسم بالدم
داخل الدول أو بينها".
أكّدَت الاتفاقية بعد مئوية ميلادها
أنّ عدم إشراك الشعوب في تقرير مصيرها، وفرض الخرائط السياسية عليها يعني إبقاء
قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أيّ وقتٍ، وعندها تنتشر شرارة النار لتحرق أطراف
ثوب أحفاد سايكس بيكو.
