لم تكن المرأة الكوردية يوما مجرد صورة هامشية في تاريخ كوردستان، بل كانت دائما في الصفوف الأولى للوجع والمقاومة. حملت فوق كتفيها أثقال الحروب والنزوح والقمع، لكنها بقيت واقفة مثل جبال كوردستان، لا تنحني مهما اشتدت العواصف.
ومن بين الأسماء التي تحولت إلى رمز خالد في ذاكرة الشعب الكوردي برز اسم ليلى قاسم تلك الشابة التي لم تنكسر أمام الخوف، ولم تتراجع أمام آلة القمع لتصبح واحدة من أعظم رموز المرأة الكوردية في العصر الحديث، ليلى قاسم لم تكن تبحث عن شهرة أو منصب أو مكاسب شخصية بل كانت تحمل قضية شعب كامل في قلبها. في زمن كانت الأنظمة القمعية تحاول إسكات كل صوت حر قررت أن تواجه بصوتها وإيمانها وهويتها، ولهذا السبب لم تتحول إلى مجرد شهيدة، بل إلى فكرة حية لا تموت وإلى رمز للكرامة والرفض والتضحية.
حين أعدمها النظام العراقي عام 1974، كانوا يعتقدون أنهم ينهوا حكاية فتاة كوردية صغيرة، لكنه في الحقيقة كان يكتب بداية أسطورة ستبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال، فقد أصبحت ليلى قاسم أول امرأة كوردية يعدمها النظام البعثي بسبب نشاطها السياسي والقومي لتتحول منذ ذلك اليوم إلى أيقونة للحرية في نظر الكورد، وخصوصا النساء اللواتي رأين فيها صورة الشجاعة التي لا تخاف الموت.
لكن الحديث عن ليلى قاسم لا يخص امرأة واحدة فقط، بل يفتح باب الحديث عن المرأة الكوردية كلها، وعن الدور الكبير الذي لعبته في تاريخ كوردستان فالمرأة الكوردية لم تكن يوما بعيدة عن معركة البقاء والهوية، كانت الأم التي تحمي أبناءها وسط الحروب، وكانت المعلمة التي تحافظ على اللغة والثقافة، وكانت المناضلة التي تحمل الرسائل والسلاح في الجبال، وكانت الزوجة التي تنتظر عودة الغائبين من السجون والمعتقلات.
وفي الوقت الذي حاولت فيه الأنظمة القمعية كسر إرادة الشعب الكوردي، كانت المرأة الكوردية تقف في قلب المأساة، من حملات الأنفال التي راح ضحيتها أكثر من 182 ألف كوردي، إلى قصف حلبجة الكيمياوي الذي قتل أكثر من خمسة آلاف إنسان وأنفال 8 ألف بارزاني، كانت المرأة الكوردية تدفع ثمنا هائلا، لكنها لم تستسلم بل تحولت إلى رمز للصبر والقوة والصمود.
ولهذا لم يكن غريبا أن تصبح نساء كوردستان جزءا أساسيا من أي مشروع سياسي أو اجتماعي أو وطني فالمرأة الكوردية لم تدخل التاريخ كشخصية ثانوية، بل دخلته شريكة كاملة في صناعة التضحيات والانتصارات ولهذا السبب بقيت الأنظمة المستبدة تخشى المرأة الكوردية، لأنهم كانوا يعرفون أن المرأة التي تربي جيلا على الكرامة، أخطر من أي سلاح.
ليلى قاسم جاءت من هذا العمق الوطني والإنساني كانت تدرك أن الطريق الذي تسير فيه قد يقودها إلى الموت، لكنها كانت تؤمن أن الشعوب التي تخاف من قول الحقيقة، لا يمكن أن تبني مستقبلا حرا ولذلك وقفت بشجاعة نادرة أمام سلطة لا تعرف الرحمة، لتثبت أن قوة الإنسان ليست في السلاح فقط، بل في الإيمان بقضيته.
واليوم بعد عقود طويلة على استشهادها، مازال اسم ليلى قاسم حاضرا بقوة في وجدان الكورد فكل فتاة كوردية تدخل الجامعة وكل امرأة تشارك في السياسة أو الإعلام أو العمل الاجتماعي، تحمل شيئا من روح ليلى، حتى وإن لم تدرك ذلك، لقد أصبحت رمزا يلهم النساء بأن الحرية لا تمنح، بل تنتزع بالتضحيات والصمود.
إن تكريم ليلى قاسم لا يجب أن يكون مجرد كلمات أو صور في المناسبات، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة تحترم دور المرأة الكوردية وتمنحها المكانة التي تستحقها لأن المرأة التي وقفت مع شعبها في أصعب الظروف، تستحق أن تكون شريكة حقيقية في صناعة المستقبل.
أعدموا ليلى قاسم وهي شابة، لكنهم لم يستطيعوا إعدام الفكرة التي حملتها. مرت عشرات السنين ومازالت صورتها تقف في ذاكرة الكورد مثل جبل لا يسقط، تذكر الجميع بأن المرأة الكوردية لم تكن يوما مجرد شاهدة على التاريخ، بل كانت دائما واحدة من صانعيه وحين تذكر كوردستان، سيبقى اسم ليلى قاسم مكتوبا ليس بالحبر فقط، بل بالكرامة والدم والتضحية والخلود.
