في كل مرة تتشكل فيها حكومة جديدة في العراق يكبر معها شيء واحد فقط الا وهو حجم الإنفاق السياسي. وزارات أكثر، درجات خاصة أكثر، مخصصات أكبر، مواكب أطول، ومؤسسات تتضخم عاماً بعد عام، بينما يبقى المواطن العراقي ينتظر أبسط حقوقه مثل كهرباء مستقرة، مستشفى محترم، مدرسة تليق بأطفاله، وفرصة عمل تحفظ كرامته.
لهذا فإن التحدي الحقيقي أمام رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي ليس فقط تشكيل حكومة ترضي القوى السياسية، بل تشكيل دولة تستطيع البقاء لأن العراق وصل إلى مرحلة خطيرة أصبح فيها المواطن يدفع ثمن الصفقات السياسية من قوته اليومي ومستقبل أولاده، العراق اليوم لا يعاني من قلة المؤسسات بل من تضخمها، فمع كل دورة سياسية تتحول الحكومة إلى جسد أثقل ومصاريف أكبر وامتيازات أكثر، وكأن الدولة خزان مفتوح للإنفاق بلا حدود. والأخطر أن هذه الزيادات لا تنعكس على حياة الناس بل تذهب في كثير من الأحيان إلى الإنفاق التشغيلي والمخصصات والامتيازات.
الشعب العراقي لم يعد يفهم كيف لدولة نفطية بهذا الحجم أن تبقى عاجزة عن حل أبسط الأزمات، بينما تصرف مليارات الدولارات سنوياً على مؤسسات مترهلة ومناصب تولد من رحم التوافقات السياسية لا من حاجة الدولة الفعلية وهنا تحديداً، تبدأ مسؤولية الحكومة الجديدة.
إذا أراد رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي أن يسجل اسمه كرجل دولة، لا كرئيس حكومة عابر، فعليه أن يبدأ من أصعب الملفات وأكثرها حساسية، تقليص الترهل السياسي والإداري لأن العراق لا يحتاج إلى وزارات أكثر بل إلى إدارة أكثر كفاءة، ولا يحتاج إلى برلمان يلتهم موازنته بالمليارات بينما تعجز المدارس عن توفير التدفئة والكتب والمقاعد، ومن غير المعقول أن تزداد ميزانيات البرلمان والحكومة في كل دورة سياسية، في الوقت الذي يعيش فيه ملايين العراقيين بين البطالة والفقر والخدمات المتعثرة.
فالشعب بدأ يشعر بأن الدولة تدار لخدمة الطبقة السياسية، لا لخدمته هو، المشكلة أن الحكومات المتعاقبة تعاملت مع المناصب كحل للأزمات السياسية كل خلاف يحل بمنصب، وكل استرضاء يتم عبر وزارة أو هيئة أو درجة خاصة، وهكذا تحولت الدولة تدريجياً إلى شبكة ضخمة من الإنفاق المستمر الذي يدفع ثمنه المواطن، في الدول المتطورة الحكومات تتجه نحو تقليل الوزارات والاعتماد على التكنولوجيا والرقمية ودمج المؤسسات لتقليل الهدر ففي سنغافورة، التي تعتبر من أنجح دول العالم إدارياً، لا يتجاوز عدد الوزارات الأساسية نحو 15 وزارة، ومع ذلك تدير اقتصاداً عالمياً بكفاءة مذهلة، وفي السويد التي تعرف بقوة الخدمات العامة يوجد عدد محدود من الوزارات مقارنة بحجم الإنجازات التي تحققها الدولة، حتى ألمانيا القوة الاقتصادية الكبرى، تعتمد على هيكل حكومي أكثر انضباطاً وأقل تضخماً من كثير من الدول التي تعاني من الأزمات، أما في العراق، فكلما تعقد المشهد السياسي، ازداد عدد المناصب والامتيازات وكأن الحل دائما يكون بتوسيع الدولة لا بإصلاحها.
الحقيقة المؤلمة أن المواطن العراقي أصبح يدفع ضريبة السياسيين. يدفعها من الكهرباء المفقودة ومن الطرق المحطمة ومن المستشفيات المزدحمة، ومن البطالة، ومن سنوات الانتظار، فكل دينار يهدر على الامتيازات غير الضرورية يعني مشروعاً خدمياً يتأخر، أو مدرسة لا تبنى، أو مستشفى ينهار أكثر، ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالشعارات بل بالقرارات الصعبة، والقرار الشجاع اليوم هو أن تقول الحكومة الجديدة: كفى تضخماً وكفى هدراً وكفى تحويل الدولة إلى غنيمة سياسية، الشعب لا يريد أن يسمع خطابات جديدة عن التقشف بينما يرى الامتيازات تتوسع في أعلى هرم السلطة، والناس يريدون دولة تشعر بمعاناتها فعلاً، لا دولة تطلب من المواطن الصبر، بينما السياسة تزداد كلفة عاماً بعد عام.
إن تقليص عدد الوزارات، وتقليل الإنفاق الحكومي غير الضروري وإعادة النظر في ميزانيات البرلمان والامتيازات لن يكون مجرد إجراء مالي، بل رسالة سياسية وأخلاقية مهمة جداً. رسالة تقول إن الحكومة جاءت لخدمة الشعب لا لإرضاء الطبقة السياسية فقط.
قد تواجه هذه الخطوات مقاومة كبيرة لأن كثيرين اعتادوا على دولة الامتيازات والمكاسب، لكن التاريخ لا يتذكر من أرضى الأحزاب فقط، بل يتذكر من أنقذ الدولة عندما كانت تتآكل.
إلى متى يبقى الشعب يدفع الثمن؟
هذا هو السؤال الذي يردده العراقيون اليوم بصمت وغضب، إلى متى تبقى الحكومات تكبر، بينما أحلام الناس تصغر؟ إلى متى تبقى الموازنات تُستهلك في السياسة، بينما الخدمات تتراجع؟ إلى متى يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة السلطة؟.
العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الكراسي، بل إلى رجال دولة يمتلكون الجرأة على إيقاف هذا النزيف المالي والإداري. فالأوطان لا تنهار فقط بالحروب بل قد تنهار أيضاً حين تتحول السياسة إلى عبء يأكل مستقبل شعب كامل.
