حسين عمر
رووداو ديجيتال
أثارت دعوات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لمقاطعة أبناء الطائفة العلوية في سوريا على المستويات التجارية والاجتماعية والشخصية، موجة من الجدل وردود فعل متباينة، وسط تحذيرات من تصاعد خطاب الكراهية والتمييز، ومطالبات بوقف هذه الحملات.
على الصعيد الرقمي، أثار وسم #أنا_لست_شجرة جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي في سوريا، في سياق النقاشات المرتبطة بالدعوات إلى المقاطعة.
وانقسمت الآراء حول الوسم بين مؤيدين ومعارضين، وسط اتهامات باستخدامه لتبرير خطاب الإقصاء. ويستند الوسم إلى عبارة منسوبة إلى المحفّز جيم رون: "إذا لم يعجبك المكان الذي أنت فيه، فقم بتغييره، أنت لست شجرة"، وهي عبارة تُستخدم عادةً للتشجيع على التغيير أو الانتقال إلى بيئات مختلفة.
غير أن ناشطين رأوا أن العبارة جرى توظيفها في السياق السوري بطريقة مختلفة، بحيث تحوّل معناها من التشجيع على حرية الحركة إلى دلالة مرتبطة بالقطيعة الاجتماعية والاقتصادية.
كما شهدت منصات التواصل تداول منشورات مؤيدة لدعوات المقاطعة، تضمنت محتوى اعتبره منتقدون تحريضياً، مع عبارات متداولة من قبيل: "لا تصاحب علوي أو تبتسم بوجهه"، و"قاطعهم"، إضافة إلى دعوات إلى مقاطعة بعض المنتجات والخدمات، مثل "لا تشتري المتة من العلوي" و"حياتك أمانة لا تركب بتكسي علوي"، في سياق أثار انتقادات واسعة واعتُبر من قبل معارضين له شكلاً من أشكال التحريض المجتمعي.
فقد وصف الناشط السياسي مازن محمد، المنحدر من مدينة جبلة الساحلية والمنتمي إلى الطائفة العلوية، هذه الحملة بأنها "عنصرية"، معتبراً أنها تأتي في سياق ما وصفه بـ"العقاب الجماعي" ضد أبناء الطائفة.
وقال محمد لشبكة رووداو الإعلامية إن الحملة تمثل امتداداً لممارسات سابقة شملت، بحسب تعبيره، الفصل التعسفي والقتل على الهوية، مؤكداً أن مضمونها يندرج ضمن خطاب يستهدف جماعة بعينها.
وانتقد ما اعتبره غياب تحرك قانوني ومجتمعي لوقف هذه الدعوات، محذراً من أنها تسهم في تأجيج خطاب الكراهية، وداعياً إلى وقف الحملة وإطلاق مسار عدالة شامل لإنصاف ضحايا النزاع السوري من مختلف المكونات.
في ظل انتشار هذه الحملة على منصات التواصل الاجتماعي، أعلنت مجموعة من السوريين من مختلف المكوّنات عن بيان مشترك رفضوا فيه خطاب الكراهية والتمييز.
وأعرب الموقعون على البيان عن "بالغ قلقهم إزاء التصاعد الخطير لخطابات الكراهية والتحريض الطائفي التي تشهدها الساحة السورية في الآونة الأخيرة، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو بعض المنصات الإعلامية أو الحملات المنظمة التي تستهدف فئات ومكوّنات من الشعب السوري على أساس الانتماء الطائفي أو الديني أو الاجتماعي".
وأكد البيان رفضه "القاطع لأي حملة أو دعوة أو خطاب يهدف إلى استهداف أي مكوّن سوري جماعياً أو تحميله مسؤولية أفعال أفراد أو جهات معينة"، بما في ذلك الدعوات المتداولة التي تُستخدم للتحريض على المقاطعة أو الإقصاء أو التمييز ضد أي من المكوّنات السورية.
وشدد الموقعون على أن "أي دعوة إلى حرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية بسبب هويتهم أو انتمائهم تشكل انتهاكاً صريحاً لمبادئ العدالة والمواطنة وحقوق الإنسان والعيش المشترك".
وقد رأى السياسي الكوردي جميل حسن، أحد الموقعين على البيان المشترك، أن جذور خطاب الكراهية والتمييز تعود إلى سياسات النظام السابق برئاسة بشار الأسد.
وقال حسن إن النظام السابق أسهم في إنتاج التمييز بين مكونات المجتمع السوري بهدف إحكام السيطرة، مشيراً إلى أن سنوات الحرب السورية الممتدة على مدى 14 عاماً عمّقت هذه الانقسامات.
وأكد أن تحقيق المساواة الفعلية يتطلب تمثيلاً عادلاً في مؤسسات الدولة، معتبراً أن أي حديث عن المواطنة المتساوية يبقى ناقصاً ما لم ينعكس عملياً في البنية السياسية والإدارية.
ورغم أن معظم الصفحات التي تروّج لهذه الحملة تُدار من حسابات مجهولة المصدر، فقد عبّر عدد من النشطاء السوريين عن رفضهم لها عبر منصات التواصل الاجتماعي، محذرين من تداعياتها الاجتماعية وخطاب الكراهية المصاحب لها.
وفي المقابل، نشر ناشطون بوسترات مضادة تدعو إلى نبذ الكراهية وتعزيز قيم التعايش.
ومن بين هذه التفاعلات، نشر الناشط إياد شربجي من دمشق على صفحته في فيسبوك صورتين متقابلتين؛ إحداهما تتضمن عبارات منسوبة لمؤيدي حملة المقاطعة، من بينها دعوات لعدم السماح للأبناء بمرافقة أبناء الطائفة العلوية، مرفقة بوسم #أنا_لست_شجرة، في حين حملت الصورة الثانية رسالة مضادة تدعو إلى عدم توريث الكراهية، تحت وسم "لستُ غبياً حتى أكمل ما بدأه الأسد". وعلّق شربجي على المنشور بلغة عامية، قائلاً إن إحدى الرسالتين "تعلّم ثقافة الحقد وتكرّس خطاب العزل"، فيما تدعو الأخرى إلى "ثقافة العدالة ونبذ الكراهية"، مضيفاً أن على الأفراد اختيار الرسالة التي يرغبون في نقلها للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، قال عمر حاج أحمد، المدير العام لمديرية الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام السورية، لشبكة رووداو الإعلامية، إن الحكومة السورية ترفض "أي ممارسات أو دعوات تقوم على التمييز أو الإقصاء على أساس الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي أو المناطقي"، مؤكداً أن جميع المواطنين يتمتعون بالحقوق ذاتها.
وأضاف أن حماية التماسك المجتمعي وتعزيز مبدأ المواطنة المتساوية يشكلان أولوية وطنية، مشيراً إلى أن وزارة الإعلام تعمل على تعزيز بيئة إعلامية تحترم حرية التعبير، مع الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وأنها اتخذت خطوات لتطوير مدونة سلوك مهني للتعامل مع خطاب الكراهية والتحريض والتضليل الإعلامي.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الجدل على منصات التواصل الاجتماعي حول حدود حرية التعبير وخطاب الكراهية في سوريا، وسط دعوات متزايدة لتعزيز السلم الأهلي ومواجهة أي أشكال من التمييز أو التحريض.

