رووداو ديجيتال
في الذكرى الحادية والأربعين لرحيل الشاعر الكوردي جكرخوين، تحدث عدد من الكتّاب والأدباء الكورد، لشبكة رووداو الإعلامية، عن أهمية هذه الذكرى وإحيائها والاحتفاء باسم واحدٍ من كبار الشعراء الكورد في العصر الحديث، ومن أكثرهم شهرة وعطاءً، متطرقين إلى ما ناله الشاعر جكرخوين من اهتمام في حياته وبعد رحيله، فضلاً عن الاستفادة المأمولة من تجربة حياة هذا الشاعر ونتاجاته الإبداعية الكثيرة، فضلاً عن الآثار التي تركتها تلك التجربة بعد رحيله منذ 41 سنةً.
حياة غنية بالعطاء
أمضى (ملا شيخموس)، وهو اسمه الحقيقي، لكنه فضَّل أن يُلقَّب بــ (جكرخوين)، حياتَه بين الأدب والسياسة، وترك وراءه إرثاً غنياً من الأعمال الإبداعية في مجالات الشعر، والأدب، واللغة والتاريخ والمعاجم والقصص والحكايات وغيرها، كما ترك صفاحاتِ مشرقةً عن إبداعه ونضاله الطويل دفاعاً عن قضايا الوطن (كوردستان) والأمة الكوردية واستقلالهما، والمقاومة، والإنسان، ومحاربة الظلم والظالمين والجهل والتخلف، ودفاعاً عن قضايا المرأة، والحرية، والسلام، والعلم، والمعرفة، والثقافة.
الميلاد والرحيل
ولد جكرخوين، عام (1903) في قرية (هَسارى) بكوردستان تركيا، بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، انتقل مع عائلته إلى جنوبي الحدود، بين كوردستان سوريا وكوردستان تركيا، إلى مدينة عامودا. وفي عام 1920، عاد مرة أخرى إلى كوردستان تركيا، وبدأ دراسته الدينية في مدارس آمد (ديار بكر).وبعد انتفاضة الشيخ سعيد عام 1925، انتقل إلى مدينة رواندوز في جنوبي كوردستان، ثم ذهب إلى بغداد، ثم إلى كوردستان سوريا واستقر هناك في مدينة عامودا، حيث تلقى تعليمه الديني، وفي عام 1928 بدأ بكتابة الشعر الكوردي.
في عام 1979 اضطر إلى مغادرة وطنه والتوجه إلى السويد، حيث توفي هناك في (22 تشرين الأول 1984)، في العاصمة السويدية ستوكهولم، لكنه دُفن في فِناء منزله بمدينة قامشلو بكوردستان سوريا، تاركاً وراءه إرثاً غنياً يتألف من 9 دواوين شعرية و11 كتاباً في مختلف مجالات الإبداع والثقافة، إضافة إلى عشرات المخطوطات. وفي كل عام، يزور العديد من الأشخاص ضريحه، تقديراً لذكراه ومكانته في التاريخ الكوردي المعاصر.
الراحل الحيّ في الضمائر
تحدثت بونيه جكرخوين، وهي ابنة الشاعر الراحل، لشبكة رووداو الإعلامية بأن "اليوم ذكرى رحيل أعز وأنبل إنسان" في حياتها، وقالت: "والدي الذي نهلت من منبع حنانه، وكنت الشاهدة، أنا وأفراد العائلة، على مراحل عديدة من حياته ونضاله، هذه الشخصية التي تركت أثراً كبيراً في حياتي، وعلمتني كيف أكون كوردستانية، وكيف عليَّ أن أحافظ على لغتي وأكتب بها".
أضافت بونيه أن والدها الشاعر "ترك بصمته في الأدب الكوردي، ومهّد الطريق لشعراء الكورد، وأنا واحدة منهم، فكانت له مدرسته الخاصة به. لا أنسى أبداً أنني تخرجت من أكاديميته النضالية، وتعلمت منه الكثير، فجبلت شخصيتي بماء زمزمه، وشحنت روحي بكهرباء نضاله وثقافته، وتجرعت المبادىء والأخلاق الحميدة منه. في ذكراه، وفي كل يوم أنحني أمام تضحياته وأقول: رحمك الله ياوالدي، كم أنا فخورة بك!. لروحك ونضالك المجد والخلود".
أردفت بونيه أن جكرخوين في حياته "لم ينل حقه الكامل من الاهتمام كما يجب، فقد نذر حياته للنضال من أجل شعبه، وذاق مرارة العيش والحرمان مع عائلته وبقى منفياً ، كما قطع الحدود ليشارك في ثورة الخالد بارزاني، وبقي مايقارب سَنةً وذاق قبلها السجون، لكنه لم ينل الاهتمام من شعبه إلا القليل، وبقي محافظاً على مبادئه ونضاله دون أن يتأثر، ناهيك عن أن عائلته هاجرت إلى دمشق ليقتاتوا عيش يومهم، وتكاثرت الأقاويل، لكن هذا لم ينل من عزيمتنا بل زادنا حباً ونضالاً في سبيل كوردستاننا الحبيبة".
أما بعد رحيله، فقد اختلف الأمر، في ما يتعلق بالتقدير والاهتمام، وفي ذلك قالت بونيه: "اليوم اختلف الأمر، أقول بكل فخر، إن شعبنا الكوردي في كل مكان، يحتفل بمناسبة رحيله، وفاء لنضاله، وعندما أخذنا جثته إلى قامشلو، كان كرنفالاً لا يوصف، حيث احتضن الشعبُ ابنه البارّ، وحافظ عليه حتى يومنا هذا".
في ما يخص إمكان الاستفادة من تجربة حياة الشاعر جكرخوين ورحيله ونتاجاته الإبداعية، قالت ابنته: "إنه إرث ثمين، ومثال للتضحية والتفاني. أعطى الكثير، وأنار لنا وللأجيال القادمة طريق النضال من أجل الوطن، فعلينا أن نجعله قدوة في حياتنا النضالية ومثالاً للعطاء والتفاني. لقد زين المكتبة الكوردية بدواوينه ومخطوطاته، وسيبقى جكرخوين تلك النجمة المضيئة في سماء كوردستان".
مزار عشّاق الأدب الكوردي
الكاتب الكوردي كونى رَشْ، المقيم بقامشلو، الذي لا تمرّ مناسبةٌ إلا ويزور ضريح الشاعر جكرخوين، صرّح لرووداو قائلاً: "في ذكرى مرور 41 عاماً على رحيل الشاعر الكبير جكرخوين، أدعو الفعاليات الثقافية والمثقفين على أن نجعل بيته متحفاً لكتبه ومقتنياته، وأن نجعل ضريحه مزاراً لعشاق الأدب والثقافة الكوردية".
أضاف أيضاً أن جكرخوين "لم ينل حقه من الاهتمام، بل حورب سياسياً، كونه كان يميل إلى أحد الأطراف السياسية الكوردية، ومن رجال الدين الذين عدُّوه كافراً وملحداً. وبقي يعاني الفقر والحرمان، لكنه لم يتزحزح أو يتنازل عن مواقفه ومبادئه".
دعا الكاتب الكوردي، كونى رَشْ، إلى ضرورة الاهتمام بذكرى جكرخوين، "لكونه قامة شامخة في الشعر الكوردي"، قائلاً: "علينا أن نتذكره بفخر وكبرياء، وأن نحث الجيل الصاعد على زيارة ضريحه في ذكرى ميلاده وذكرى رحيله، وأن تستفيد الأجيال من تجربته، وذلك بِحَثّ الجيل الصاعد على أن يسلك دربه في حُبّ اللغة الكوردية والكتابة بها، كما كان هو حريصاً على الكتابة بلغته الأمّ، عبر قوله: (إنْ كتبتُ بلغة الآخرين، فإنّ لغتي ستضمحلّ وتموت، أما إنْ كتبت بلغتي، فإن الآخرين سيحاولون قراءة لغتي وتعلمها)".
رمز الفكر والأدب الكورديين
في السياق ذاته، صرح الباحث الكوردي، فارس عثمان، لرووداو بأن "جكرخوين أحد أبرز رموز الفكر والأدب الكورديين في القرن العشرين، وأحد القلائل الذين جمعوا بين الشعر والفكر والسياسة والنضال الاجتماعي في آن واحد؛ فقد قاوم الاقطاع ورجال الدين والتخلف والأمية، وشجع على التعليم، ورفع من شأن المرأة. فهو لم يكن شاعراً فحسب، بل كان ضميراً حيّاً لأمته الكوردية التي عانت الاضطهاد والتجزئة قروناً طويلة".
أضاف أيضاً أنه، "في الذكرى الحادية والأربعين لرحيل جكرخوين، نقف أمام قامة مناضلة في مختلف المجالات الثقافية والسياسية، خلدت الكورد في سجلّ التاريخ، إذ جعل من الكلمة منبراً للحرية والهوية، لكنه لم ينل حقه الكافي في حياته، نتيجة التخلف والجهل والأمية وأحيانا بسبب الخلافات السياسية". أردف قائلاً: "يمكننا اليوم أن نعيد نشر تراثه، وتدريس شعره للأجيال، وأن نستفيد من تجربته التي ألهمتنا بأن الثقافة مقاومة".
جرس إنذار الوعي القومي
في هذا المجال، قال الكاتب الكوردي دلاور زنكي، لرووداو: "كان جكرخوين جرس إنذار الوعي القومي للشعب الكوردي. كان صوت خاني والجزيري. كان شاعراً مُوقِظاً ومناضلاً ومثقفاً"، مضيفاً أن "تاريخ جكرخوين هو تاريخ الشعب الكوردي، بكل ألوان الحياة، بحلوها ومرها، سواء ما فيها من شقاء وتشرّد وقسوة ومصاعب، أم ما فيها من ثورات وانتفاضات".
أشاد دلاور زنكي بدور الشاعر الراحل، قائلاً: "لقد صاغ جكرخوين الشعر الكوردي بأسلوب جديد، ولغة عذبة وفكر حديث، وأنزله من حُجرات الفقهاء والمشايخ، موجهاً إياه نحو الأزقة والشوارع الكوردية؛ فقد أيقظ المجتمع الكوردي عن طريق الشعر، وأحدث ثورة وانتفاضة ضد الفكر الرجعي والمتخلف، كما أنه أحدث تأثيراً كبيراً في الوضع السياسي والاجتماعي، حيث كان شاعر الطبقة الكادحة، من العمال والفلاحين، والشعوب المضطَهَدة، ووكان صوت المظلومين، في الوقت نفسه، كان شاعر الحبّ وجمال طبيعة كوردستان"، مؤكداً أن "اسم جكرخوين وذِكْرَه منتشران في أرجاء كوردستان الأربعة، وفي العالم".
عبّر دلاور زنكي عن أسفه قائلاً: "من المؤسف والمحزن جداً أن الكورد أمة تقتل أحياءها وتعبد موتاها، فجكرخوين لم يلقَ في حياته أي اهتمام أو تقدير، حيث أمضى حياته كلها في فقر ومصاعب"، وأضاف: "آمل أن يهتم الشعب الكوردي بعلمائه ومثقفيه ومبدعيه وأن يرعاهم وهم على قيد الحياة".
دعا الكاتب دلاور إلى "وجوب الحفاظ على أعمال جكرخوين المطبوعة والمخطوطة، ووجوب طباعة جميع أعماله بطريقة أنيقة، إضافة إلى تدريس أعماله في الجامعات والمعاهد، وإجراء أبحاث ودراسات حول أعماله". واقترح أن تُسمّى جامعة في كوردستان باسمه، وأن يُنشَأ متحف لجكرخوين، يُجمَع فيه كل ما يتعلق به من أشياء ومقتنيات دقيقة".
نشيدٌ متجدِّد في الضمير والذاكرة
في هذا السياق، تحدث الكاتب الكوردي إبراهيم اليوسف لرووداو قائلاً: "لا بد من الاعتراف بأن جكرخوين لم يعد شاعراً وأديباً ولغوياً ومؤرخاً فحسب، وإنما هو ضمير شعبٍ، بل أمةٍ، استعرض واستعاد روحها ودمها في حبره. بعد واحدٍ وأربعين عاماً على رحيله، ما زال بيننا، في الضمير والذاكرة الكوردية، نشيداً متجدداً يتصادى في جهات كوردستانه الأربع".
كذلك عبّر إبراهيم اليوسف عن أسفه لأن "زمن جكرخوين لم يُنصفه كما ينبغي، إذ عاش منفيّاً في الداخل والخارج في آن معاً، لكن حضوره اليوم يتجاوز برودة التماثيل والاحتفالات، كما أن تجسيد الوفاء له يكون بإحياء لغته التي صانها، وترسيخ فكرته عن الإبداع و الشعر بصفتهما فِعْلَي مقاومة وهُوِيّة"، مضيفاً "أننا لا نزال نتعلم من جكرخوين أن الإبداع يكمن في الالتزام، وأن الإبداع حين ينطلق من الجرح والأمل والرؤية يصبح وطناً؛ فحياته أسطورة ودرسٌ في المقاومة، ورحيله رسالة مفتوحة للأجيال القادمة".
رمز الحرية والإبداع
أما الكاتب عمر رسول فقد قال لرووداو: "في الذكرى الحادية والأربعين لرحيل الشاعر جكرخوين، لا يسعني إلا أن أستذكره بإجلال، كرمزٍ للحرية والإبداع الشعري الكوردي، حيث يجتاحني شعور بالعظمة والامتلاء عند الحديث عن جكرخوين، إعجاباً بقصائده الملهمة ونضاله في دروب الحياة، فقد ظل دائماً متّقداً بالأمل والعمل، ساعياً إلى الحرية، ليبني ملحمته الإنسانية والشعرية من أجل وطنه كوردستان".
أضاف عمر رسول بأن جكرخوين "بقي محل اهتمام وتقدير واسعين من أبناء مجتمعه، وتحوّل مع مرور الزمن إلى رمز إنساني وثقافي تنويري، يستدعي منا اليوم المزيد من الاهتمام لفهم عصره وشعره بصورة أكبر، حيث لم تكن تجربته الغنية سيرة فرد فحسب، بل إنها ملحمة أمة، ولذلك تستحق هذه التجربة البحث والتحليل النقدي، لفتح آفاق إبداعية جديدة في الأدب الكوردي والارتقاء به من خلال إرثه الغني والملهم".
صوت النضال وضمير الشعب
كان مشعل أوصمان أيضاً من الكتّاب الذين تحدثوا لرووداو في هذه المناسبة، وقال: "في هذه الذكرى نستذكر رمزاً للهوية الكوردية وصوتا خالداً ناضل بالكلمة من أجل الحرية والكرامة، وجسّد وجع الإنسان الكوردي وآماله، وترك إرثاً شعرياً ووطنياً لا يمحى، لكنه لم ينل ما يستحقه من اهتمام في حياته، رغم مكانته الأدبية والنضالية الكبيرة"، مردفاً أنه "يمكن اليوم تجسيد الاهتمام به عبر إحياء تراثه، وتدريس شعره، وتنظيم فعاليات ثقافية تحمل فكره للأجيال الجديدة، حيث يمكن أن نتعلم من تجربته الإصرار على الحق والإيمان بالكلمة الحرة، وأن الشاعر الحقيقي هو ضمير شعبه وصوت معاناته وآماله".



