رووداو ديجيتال
بعد مرور عشرين عاماً على إقرار الدستور العراقي الدائم في تشرين الأول 2005، لايزال النقاش مفتوحاً حول قدرته على تلبية متطلبات الدولة الاتحادية الحديثة.
فعلى الرغم من أنه مَثّل في حينه خطوة تاريخية نحو بناء نظام ديمقراطي وفيدرالي يضمن التعددية والحقوق، إلا أن مسار تطبيقه ظل متعثراً بفعل الخلافات السياسية والتفسيرات المتباينة لنصوصه، خصوصاً تلك المتعلقة بعلاقة المركز بالإقليم.
الدستور خطوة تاريخية لم تكتمل
كان الدستور نتاج مرحلة صعبة من تاريخ العراق، كُتب في ظل ظروف استثنائية بعد سقوط النظام السابق، وبمشاركة واسعة من ممثلي المكونات العراقية. لكن مع مرور الزمن، برزت الحاجة إلى مراجعته وتفعيل مواده المؤجلة، وفي مقدمتها تشكيل المجلس الاتحادي وإقرار قانون النفط والغاز وتطبيق المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها.
يقول الحقوقي كاظم الجحيشي الدستور كان إنجازاً وطنياً، لكنه وُضع تحت ضغط سياسي وأمني كبير، لذلك احتاج منذ البداية إلى مراجعة دورية تُبقيه مواكباً للتحولات نحن كحقوقيين طالبان بتعديله " التعديل سيجعله مثالي فيه 12 إلى 13 مادة قانونية تحتاج الى مراجعة، هنالك مواد تخص تمس حياة العراقيين يجب أن يسلط عليها الضوء".
رؤية إقليم كوردستان: الفيدرالية ليست خياراً بل ضمانة
بالنسبة إلى إقليم كوردستان، يُمثّل الدستور الإطار القانوني الذي أقرّ خصوصيته وشرّع نظامه الفيدرالي داخل الدولة العراقية. ورغم التحديات التي واجهت العلاقة بين أربيل وبغداد، فإن الإقليم ظلّ متمسكاً بالدستور كمرجعية لتنظيم الصلاحيات وتوزيع الثروات وضمان الحقوق السياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق يرى مختصون أن الدستور ظلّ يشكّل قاعدة قانونية متقدمة، وأن الخلل الأساسي يكمن في تعطيل مواده، مثل المجلس الاتحادي وقانون النفط والغاز والمادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها.
ويُجمع كثير من المراقبين في أربيل على أن أي تعديل دستوري مستقبلي يجب أن يحافظ على جوهر النظام الفيدرالي، وأن يكون نتاج تفاهم وطني لا مسعى مركزي لإعادة تركيز السلطة.
نيجيرفان بارزاني: مرحلة تطبيق الدستور
في أكثر من مناسبة، شدّد رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني على أن الحل الحقيقي لأزمات العراق يكمن في تطبيق الدستور لا إعادة كتابته. ويرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة ترسيخ الفيدرالية الدستورية، وتعزيز الشراكة الوطنية على أساس الحقوق والواجبات المنصوص عليها في الدستور.
ويؤكد نيجيرفان بارزاني أن العودة إلى الدستور وتنفيذ مواده بروح التفاهم والشراكة هو الطريق الوحيد لاستقرار العراق ووحدته، مؤكداً أن "المرحلة القادمة في العراق هي مرحلة تطبيق الدستور".
ويرى نيجيرفان بارزاني أن “العودة إلى الدستور وتنفيذ مواده بروح التفاهم والشراكة هو الطريق الوحيد لاستقرار العراق ووحدته”، وأن “أي تجاوز على الدستور أو تجاهل لمواده لا يخدم أي طرف، بل يضعف الدولة ومؤسساتها الاتحادية والإقليمية على السواء"، وأن "أي تجاوز على الدستور أو تجاهل لمواده لا يخدم أي طرف، بل يضعف الدولة ومؤسساتها الاتحادية والإقليمية على السواء".
مثالب الدستور ضئيلة أمام قيمته الوطنية
وفي السياق ذاته، يرى الكاتب والمستشار الكوردي كفاح محمود، أن الخلل في التجربة العراقية بعد عام 2005 لا يكمن في الدستور نفسه، بل في الانحراف عن روحه ومقاصده.
ويقول إن "مثالب الدستور ضئيلة جداً أمام ما أنجزه خبراء القانون في العراق ومستشاروهم الأجانب من صياغة تُعدّ من أكثر الدساتير عدالة وإنسانية في الشرق الأوسط، بما يحفظ حقوق جميع مكوناته".
ويضيف محمود أن وفد إقليم كوردستان شارك في كتابة الدستور بـ"روحية وطنية خالصة" هدفت إلى تأسيس دولة ديمقراطية فيدرالية حديثة، لكن ما حدث لاحقاً هو "نزعة مركزية وشمولية" سعت إلى تهميش روح الفيدرالية عبر تعطيل تنفيذ المادة 140 وتأجيل قانون النفط والغاز والمجلس الاتحادي.
ويتابع: "الكورد ذهبوا إلى بغداد للمشاركة في بناء دولة مدنية اتحادية، لكن الآخرين لم يكونوا بنفس الروح. العراق لن يستقيم دون تطبيق الدستور بروحية وطنية خالصة تضمن حقوق الجميع".
عقد سياسي جديد دون المساس بروح الدستور
يرى باحثون وخبراء أن الأزمة ليست في الدستور بحدّ ذاته بقدر ما هي في البنية السياسية التي عجزت عن تطبيقه. فبحسب الباحث غازي فيصل السكوتي أستاذ العلاقات الدولية، "فإن فشل البناء السياسي في العراق بعد عام 2003 يعود بدرجة كبيرة إلى اختلالات دستورية بنيوية، وهيمنة المقاربة المذهبية في تفسير النصوص، مما أفقد الدستور هويته الوطنية الجامعة، وفتح الباب أمام المحاصصة الطائفية والفساد المؤسسي".
فيما تذهب الناشطة في حقوق الأقليات "أريان خلات" إلى تفصيلة دقيقة في الدستور تخص تناول حقوق هذه الفئات من المجتمع العراقي، فبالرغم من أنه تناول الأمر في أكثر من مادة، "لكنه لم يكن دقيقاً أو كافياً بما يضمن حماية فعلية وشاملة لهذه المكونات، بل اكتفى بصياغات عامة وغير ملزمة التطبيق في كثير من الأحيان" وبالرغم من بضعة فقرات إيجابية ولكن بالمقابل هنالك ثغرات قانونية وضعف واضح في التطبيق"، مضيفة أن غياب التعريف الدقيق للأقليات داخل الدستور "يجعل حماية حقوقهم رهينة للتفسيرات السياسية".
الدستور بين النقد والإصلاح
في المقابل، لا يمكن تجاهل النقد البنيوي الذي قدّمه غازي فيصل أستاذ العلاقات الدولية حول المواد المتناقضة في الدستور، خصوصاً تلك التي تجمع بين مرجعيتين: دينية ومدنية، مما يجعلها قابلة لتأويلات متضاربة.
فالمادة (2) مثلاً تجمع بين "ثوابت الإسلام" و"مبادئ الديمقراطية"، ما أنتج حالة من الغموض التشريعي انعكست على الحياة السياسية والقضائية.
وفي ذلك يرى الكاتب والباحث في الشأن السياسي رحيم العبودي، أن "الدستور ليس قرآناً منزلاً وأنا مع التعديل، لدينا لجنة مشكلة لإعادة الكتابة وجدنا فيه قنابل موقوتة ونقاط خلافية، الدستور يجب أن يكون عامل جمع بين فئات الشعب الواحد لا عامل تفريق ويجب أن يكون باباً من أبواب تعزيز اللحمة المجتمعية وتمكين العدالة".
لكن خبراء القانون يشددون على أن الحل لا يكون بإلغاء الدستور أو استبداله، بل بتفسيره تفسيراً مدنياً موحداً، وتفعيل آلياته المؤجلة ضمن توافق وطني شامل.
بعد عقدين من إقراره، يبقى الدستور العراقي الوثيقة الأهم في بناء النظام السياسي الحديث. لكنه أيضاً يظل مرآة تعكس التحديات المستمرة في تحقيق التوازن بين السلطة المركزية والحقوق الإقليمية.
وفي الوقت الذي يدعو فيه نيجيرفان بارزاني باستمرار إلى الحوار كوسيلة لحل الخلافات، تبدو الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تفاهم وطني جديد يُعيد للدستور روحه، ويُفعّل بنوده بما يضمن شراكة حقيقية وعدلاً مستداماً بين جميع مكونات العراق.


.jpg&w=3840&q=75)
