رووداو ديجيتال
مضى أكثر من شهر على إجراء انتخابات الدورة السادسة لمجلس النواب العراقي، ولايزال قادة الشيعة والسنة والكورد في خضم مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة دون أن تظهر ملامح هذه الحكومة بعد.
كان الجميع بانتظار المصادقة على النتائج من قبل المحكمة الاتحادية العراقية، والتي صادقت عليها يوم الأحد الماضي 14 كانون الأول 2025، لتنطلق بعدها المهل الدستورية المحددة لتشكيل الحكومة، ورغم أن هذه المهل لم يتم الالتزام بها في بعض الدورات السابقة واستغرق التشكيل وقتاً أطول مما حدده الدستور، تبرز الآن ضغوط أميركية على العراق لعدم إشراك الأجنحة السياسية للجماعات المسلحة في الحكومة.
وفي ظل التغييرات المدوية في الشرق الأوسط، حيث تتشكل تحالفات جديدة وتتراجع القديمة، يواجه القادة العراقيون مهمة صعبة تتطلب منهم تحديد شكل علاقاتهم مع الجماعات التي وضعتها الولايات المتحدة في "القائمة السوداء".
ماذا تريد أميركا؟
تتوقع أميركا، من خلال دورها ونفوذها المستمر في العراق منذ أكثر من عقدين، أن تكون الحكومة العراقية الجديدة خالية من الجماعات المسلحة. وقد صرح مارك سافايا، الدبلوماسي العراقي - الأميركي الذي عينه دونالد ترمب في تشرين الأول الماضي مبعوثاً للولايات المتحدة إلى العراق، يوم 11 كانون الأول 2025 قائلاً: "العراق أمام مفترق طرق، ولن ينجح أي بلد إذا كانت الجماعات المسلحة تنافس الدولة وتضعف سلطتها".
لكن القادة العراقيين يواجهون تحديات أخرى، تتمثل في مطالب إيران ونفوذها، خاصة من قبل الأجنحة السياسية التي تدعمها طهران. ومنذ سنوات، يحاول العراق الموازنة في علاقاته بين الطرفين. والآن بعد الانتخابات، صرح مسؤولون عراقيون وأميركيون لوكالة فرانس برس بأن "واشنطن تطالب بعدم دخول الجماعات المسلحة المقربة من إيران في الحكومة العراقية الجديدة".
وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية (دون الكشف عن اسمه): "القادة العراقيون يدركون جيداً ما يتوافق وما لا يتوافق مع الشراكة القوية بين العراق وأميركا"، وأضاف أن واشنطن ستواصل حواراً صريحاً مع العراق حول "الحاجة الملحة لتفكيك الجماعات المسلحة المقربة من إيران".
ومع ذلك، فإن بعض هذه الجماعات زادت من عدد مقاعدها وأصواتها في الانتخابات وهي جزء من الإطار التنسيقي، المظلة الجامعة للقوى الشيعية التي ستحدد رئيس الوزراء القادم، حيث يعقد الإطار اجتماعات منذ أسابيع لتسمية المرشح.
وأشار مسؤول عراقي إلى أن "أميركا وضعت شروطاً بأن لا تكون الجماعات المسلحة جزءاً من الحكومة الجديدة، ويجب تفكيك هذه الجماعات ونزع سلاحها وقطع كافة علاقاتها مع الحرس الثوري الإيراني".
وحذر "سافايا" من أن البديل عن الاستقرار هو "الانهيار الاقتصادي، الفوضى السياسية، والعزلة الدولية".
من هي الجماعات المسلحة المطلوب إبعادها؟
قبل عدة أشهر، صنفت أميركا عدداً من الفصائل التابعة للحشد الشعبي كـ "إرهابية"، وكانت هذه الفصائل جزءاً مما يسمى بـ "جبهة المقاومة" التي طالبت بانسحاب أميركا وشنت هجمات على قواعدها منذ 7 تشرين الأول 2023.
الآن، تمتلك معظم هذه الجماعات مقاعد في البرلمان وعززت نفوذها السياسي. ومن أبرزها "عصائب أهل الحق" بقيادة قيس الخزعلي، التي تمتلك 27 مقعداً وهي جزء من الإطار التنسيقي، ما يجعل إخراجها من الحكومة الجديدة أمراً صعباً بالنسبة للقوى الشيعية، لكن أحد الخيارات المطروحة هو عدم منحها حقائب وزارية سيادية ومهمة.
ويقول مسؤول عراقي (رفض ذكر اسمه): "سابقاً كانت أميركا تغض الطرف عن بعض المناصب الممنوحة لهم، لأنها في النهاية تتعامل مع الحكومة وليس مع الوزارات التي تسيطر عليها الجماعات".
الجماعات المدرجة في قائمة الإرهاب الأميركية هي:
كتائب حزب الله: إحدى الجماعات المسلحة وتمتلك 6 مقاعد عبر جناحها السياسي (حركة حقوق) بقيادة أحمد محسن فرج الحميداوي، وحصلت الحركة على أكثر من 230 ألف صوت.
كتائب الإمام علي: شاركت في الانتخابات عبر قائمة "خدمات" وحصلت على 5 مقاعد، ويتزعمها شبل الزيدي.
كتائب سيد الشهداء، أنصار الله، الأوفياء، والنجباء: جماعات أخرى أُدرجت في قائمة الإرهاب الأميركية.
ما الذي ينتظر العراق؟
يواجه العراق تحديات في النمو الاقتصادي بعد سنوات من الاضطرابات. وبينما فرضت واشنطن عقوبات على بنوك عراقية بتهمة مساعدة إيران في التهرب من العقوبات، يأمل القادة العراقيون في إنعاش البلاد بدعم الاستثمارات الأجنبية وشركات أميركا، وكان الأبرز تصريح قيس الخزعلي حين قال: "من مصلحة بغداد أن تستثمر الشركات الأميركية الكبرى فيها".
منذ بدء حرب غزة في تشرين الأول 2023، بقي العراق بمنأى نسبياً عن التصعيد الإقليمي، ولم تحقق هجمات الفصائل ضد أميركا وإسرائيل أهدافها، بل ردت واشنطن بضربات قوية أدت لتوقف تلك الهجمات. كما أن العراق كان من الدول التي لم تتضرر من الهجمات الإسرائيلية المباشرة رغم علاقاته بإيران.
وأكدت عدة مصادر أن أميركا منعت إسرائيل من مهاجمة العراق، لكنها حذرت القادة العراقيين من مغبة أي فعل تقوم به الجماعات المسلحة. ومع ذلك، لايزال من غير الواضح كيف سيلبي العراق المطالب الأميركية مع بدء المهل الدستورية لتشكيل الحكومة، وسط مخاوف تكتنف المرحلة التي قد تنسحب فيها القوات الأميركية من العراق.



