رووداو ديجيتال
منذ أول انتخابات تشريعية جرت في العراق بعد تغيير نظام صدام حسين، في 30 كانون الثاني عام 2005، وحتى سادس عملية انتخابية من المفترض إجراؤها في 11 تشرين الثاني 2025، أي خلال ما يقرب من عقدين من السنين، كانت قد غابت أسماء سياسية قيادية، وبرزت أخرى، وظهرت وجوه جديدة بينما تشبثت قيادات بمواقعها لرئاسة أحزابها.
ويمكن تقسيم واقع وطموحات أبرز القيادات السياسية بين الانسحاب من المشهد السياسي وأخرى تطمح أو تطمع بالعودة بقوة، وأخرى تجلس على مسطبة الانتظار أو الاحتياط لتحظى بفرصة ثانية أو ثالثة.
علاوي بين البقاء والمغادرة
رووداو أجرت رصداً لهذه الأسماء، حيث برز اسم الزعيم السياسي إياد علاوي، الذي كان قد تولى رئاسة الحكومة العراقية المؤقتة، التي تلت مجلس الحكم العراقي، وذلك للفترة من 28 أيار 2004 حتى 6 نيسان 2005، وبذلك كان أول رئيس وزراء بعد تغيير نظام صدام حسين. وهو زعيم ائتلاف العراقية الوطنية التي فازت في انتخابات 2010 بالمرتبة الأولى بـ91 مقعداً برلمانياً، لكنه مُنع من قبل التحالف الشيعي وإيران من تشكيل الوزارة، ومنح الحق لنوري المالكي الذي جاء ائتلافه، دولة القانون، بالمرتبة الثانية بـ89 مقعداً، مما أثر في نظرته للعملية السياسية.
علاوي بقي ما بين الساحة السياسية أو بعيداً عنها دون أن ينسحب تماماً عن الواجهة، متنازلاً عن موقعه لابنته سارة علاوي المرشحة ضمن ائتلاف (الإعمار والتنمية) بزعامة رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني.
علاوي وفي آخر حوار صحفي كان قد أدلى به لشبكة رووداو الإعلامية في 15 شباط 2025، بدا حريصاً على البقاء ضمن العملية السياسية من خلال إعلانه عن تشكيل "التجمع المدني الوطني العراقي" بزعامته، وقال: "يضم تجمعنا أحزاباً وشخصيات سياسية وطنية وأكاديميين ونشطاء سياسيين"، موضحاً: "أنا صاحب فكرة ومشروع تشكيل التجمع، والفكرة الأساسية بدأت مني، وكتبت فلسفتها، وماذا نعني بالوطنية والمدنية، وكيف سنقف ضد الطائفية السياسية ومحاربة الفساد الذي دمّر العراق".

وأوضح أن سبب تأسيسه لهذا التجمع هو "على مدى أكثر من 20 سنة، لم يشهد العراق أي تقدم، بل هناك تراجع في الوضع العراقي. وأبرز مظاهر هذا التراجع أن البلد أصبح ساحة للفساد والفاسدين، ولم تعد البلاد قادرة على معالجة هذا الأمر. كما أن الطائفية السياسية تعشعشت في الوضع العراقي، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية".
علاوي يعد نفسه من "المحاربين والمهمشين"، ففي ذات الحوار قال لرووداو، دون أن يخفي ندمه على مشاركته في العملية السياسية: "بصراحة، نادم جداً، فأنا أرى أن البناة الحقيقيين للعراق أصبحوا إما محاربين أو مهمشين". لكننا لم نسمع بعد ذلك، بعد إعلانه عن ندمه، عن مشروعه "التجمع المدني الوطني العراقي".
وتقلد إياد علاوي منصب نائب رئيس الجمهورية بين عامي 2014 و2015، وفي 9 آب 2015 أعلن حيدر العبادي، عندما كان رئيساً للحكومة العراقية، عن مجموعة قرارات وإصلاحات أبرزها إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية (إياد علاوي ونوري المالكي وأسامة النجيفي) ونواب رئيس مجلس الوزراء (بهاء الأعرجي وصالح المطلك وروز نوري شاويس) استجابةً للاحتجاجات الشعبية الأخيرة.
المالكي التربص بالثالثة
كانت وراء الولايتين اللتين حكم بهما نوري المالكي العراق كرئيس لمجلس الوزراء الكثير من الجدل، ففي الأولى (أيار 2006) انتزعها من زعيم حزبه إبراهيم الجعفري الذي تخلى مجبراً عن منصبه رئيساً للحكومة بسبب معارضة شديدة من الكتل السنية والكوردية له. وكان الوضع الأمني في بداية ولايته سيئاً، حيث بدأت عمليات الخطف والتهجير والقتل الطائفي، وتم اختيار نوري المالكي لحل الأزمة.
وفي حكومته الثانية عام 2010 تم التآمر بدعم الأحزاب الشيعية السياسية وإيران على حقوق إياد علاوي، زعيم ائتلاف العراقية الوطنية الذي كان يجب أن يشكل الحكومة لفوز ائتلافه في الانتخابات، بينما جاء ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي ثانياً، رافعاً شعار "ما ننطيها"، ويعني رئاسة مجلس الوزراء.

تعاون المالكي مع الولايات المتحدة وقوات التحالف في العراق بعد مغادرتهم بحلول نهاية عام 2011، وفي أعقاب سلسلة من الهزائم العسكرية على يد تنظيم الدولة الإسلامية والعشائر المحلية في شمال العراق، قال مسؤولون أمريكيون إن المالكي يجب أن يتخلى عن رئاسة الحكومة. وبعد شهرين، في 14 آب 2014، أعلن استقالته من منصب رئيس الوزراء.
وخلال فترة حكمه التي استمرت ثماني سنوات (من عام 2006 إلى 2014)، انتشرت اتهامات الفساد على نطاق واسع، حيث زُعم اختفاء مئات المليارات من الدولارات من خزائن الحكومة. واليوم يخطط المالكي للعودة في ولاية ثالثة لرئاسة مجلس الوزراء من خلال حزبه (دولة القانون).
المطلك خرج ولم يعد
من الوجوه التي تنحّت عن العملية السياسية، صالح المطلك، زعيم "الجبهة العراقية للحوار الوطني". عاد المطلك للتحالف مع علاوي في ائتلاف العراقية الوطنية وتولى منصب نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي بين عامي 2010 و2015.
وانسحب المطلك من المشهد السياسي بعد أن ضُرب بالحجارة في محافظة الأنبار عام 2013، بعدما منعه المعتصمون في ساحة البو فراج شمالي الرمادي من الصعود إلى المنصة، وهتفوا ضده ووصفوه بالكذاب والخائن، فيما أطلق أفراد حمايته النار، وردّ المتظاهرون بإطلاق النار على سيارته.
النجيفي الغائب الحاضر
ما يزال اسم السياسي أسامة النجيفي، الأمين العام لتجمع (عراقيون) عام 2009 والذي تحالف مع ائتلاف العراقية الوطنية، يتردد باعتباره الغائب الحاضر في العملية السياسية. شغل النجيفي منصب رئاسة مجلس النواب العراقي منذ 11 تشرين الثاني 2010 حتى 2014 كجزء من استحقاقات فوز ائتلاف علاوي في انتخابات 2010، كما شغل منصب نائب رئيس الجمهورية بين عامي 2014 و2015.
النجيفي يعد حاضراً في العملية السياسية بالرغم من غيابه عنها، فهو يراقب الأحداث ويساهم في فعالياتها دون الإعلان عن نفسه.
الهاشمي انسحب قسراً
أما طارق الهاشمي، فقد انسحب من المشهد السياسي مجبراً بعد أن حُكم عليه غيابياً بالإعدام شنقاً بعد إدانته بتهم إرهابية بتدبير من نوري المالكي، مما أدى إلى سفره إلى أربيل بضيافة الرئيس مسعود بارزاني، ثم إلى إسطنبول بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
التقيت الهاشمي في إسطنبول، وكان يُعامل كنائب لرئيس جمهورية العراق، وله حظوة لدى أردوغان كونه أحد قادة الحزب الإسلامي العراقي (واجهة جماعة الإخوان المسلمين في العراق). لكنه انتقد التخندق الطائفي في عام 2009 واستقال من الحزب، ثم أسس قائمة تجديد وانضم لاحقاً إلى ائتلاف العراقية الوطنية بقيادة إياد علاوي.
أعلن الهاشمي استقالته من منصب نائب رئيس الجمهورية في 30 كانون الثاني 2013، استنكاراً لسياسات المالكي وتضامناً مع الأنبار.
العبادي على مسطبة الاحتياط
يجلس حيدر العبادي، القيادي السابق في حزب الدعوة ورئيس الوزراء الأسبق، على مسطبة الانتظار لولاية ثانية، رغم أنه لم يرشح نفسه أو ائتلافه (النصر) في الانتخابات.
تولى العبادي رئاسة الوزراء من 8 أيلول 2014 إلى 25 تشرين الأول 2018. أبرز إنجازاته كان تحرير الموصل في 9 تموز 2017 من تنظيم داعش بعد عملية عسكرية كبرى شاركت فيها القوات العراقية والبيشمركة والتحالف الدولي.
عبد المهدي أخرجه التشرينيون
لا يحتفظ العراقيون بذاكرة طيبة عن عادل عبد المهدي، القيادي السابق في المجلس الأعلى الإسلامي، الذي تولى رئاسة الحكومة من 25 تشرين الأول 2018 إلى 25 تشرين الثاني 2019، وأطاحت به انتفاضة تشرين. قدم استقالته في 30 تشرين الثاني 2019 وصادق عليها البرلمان.
يحاول عبد المهدي التذكير بوجوده سياسياً طامحاً بالعودة، لكن دون نجاح يُذكر.
الكاظمي ظهور مفاجئ
برز اسم مصطفى الكاظمي، رئيس جهاز المخابرات الوطني سابقاً، خلال انتفاضة تشرين كأحد المرشحين لرئاسة الوزراء. كلفه الرئيس برهم صالح بتشكيل الحكومة في 9 نيسان 2020 بعد اعتذار عدنان الزرفي، وأدى اليمين في 7 أيار من العام نفسه.
يُسجل للكاظمي أنه أجرى أكثر الانتخابات شفافية في تاريخ العراق (2021)، وأطلق حملة لمكافحة الفساد استعاد فيها أكثر من 8 مليارات دولار، مما جعله هدفاً لهجمات إعلامية من القوى المتضررة.

السوداني يتهيأ للولاية الثانية
منذ 2003، تشكلت معظم الحكومات العراقية إثر أزمات وصراعات سياسية طويلة. يتمتع محمد شياع السوداني بخبرة إدارية واسعة، إذ شغل مناصب وزارية عدة، منها العمل والصناعة وحقوق الإنسان، إضافة إلى توليه منصب محافظ ميسان.
في أيار 2022 رشّحه "الإطار التنسيقي" لمنصب رئاسة الوزراء، وتمكن من تشكيل حكومة أطلقت مشاريع إعمار وخدمات واسعة في بغداد، مما عزز شعبيته وقد يمهد لفوزه بولاية ثانية في انتخابات 2025 من خلال ائتلافه (الإعمار والتنمية).



