رووداو ديجيتال
لكم أن تتخيلوا وجود مركز وطني عراقي يجمع ويؤرشف الملايين من الملفات التي تضم الوثائق الورقية والأشرطة السينمائية والفديوية والصوتية والصور، وكلها تتعلق بذاكرة العراق الثقافية والسياسية والاجتماعية والأمنية والعسكرية، محفوظة في مكان واحد يحمل اسم "المركز الوطني للأرشيف والذاكرة العراقية".. وعلينا أن نتصور الجهود الكبيرة المبذولة للقيام بهذه المهمة، وهي مستمرة، والمساحات والموقع الذي يمكن أن يتسع لهذه الذاكرة والأرشيف. والأغرب أن كل هذه الجهود تمت خلال أقل من عام وبفريق محدود في عدده، لكنه مثابر في جهده.. وبعد اليوم علينا ألا نقلق على ذاكرة البلد والناس من التشويه أو الفقدان.
الأكاديمي حسن السوداني، المتخصص في فلسفة الفن، وعميد كلية الإعلام ونائب رئيس الأكاديمية العربية في الدنمارك سابقاً، والذي يتولى مسؤولية رئاسة هذا المركز، أوضح في حديثه لشبكة رووداو الإعلامية، اليوم الأربعاء، 20 آذار 2026، عن المركز قائلاً: "مركز الأرشيف الوطني والذاكرة العراقية تأسس قبل فترة قصيرة.. وتحديداً في شهر تشرين الأول سنة 2025. وكان ثمرة عمل استمر ثلاث سنوات متتالية بدأت عندما استلمتُ مهمة إدارة لجنة (الحسن بن الهيثم العليا للذاكرة العراقية المرئية) في منتصف عام 2023، وهي لجنة تعنى بحفظ الأرشيف المرئي العراقي، كانت قد تأسست في أواخر عام 2019 من قبل المخرج السينمائي قاسم حول.. إلا أنها توقفت بسبب أحداث تشرين ومشكلة فايروس الكوفيد وتغيير الحكومة، ثم أُعيد تفعيلها في منتصف 2023."، مضيفاً: "ولكونها لجنة فلم يخصص لها المال الكافي ولا الأدوات اللازمة، ولم يشرع لها قانون، وليس فيها خطة، لهذا بدأنا من الصفر فعلاً".
وكأي بداية لمشروع كبير ووطني ومهم، فإن المعاناة تكون مضاعفة، يستطرد السوداني بقوله: "عندما استلمت المهمة وجدت أمراً ديوانياً بتشكيل فريق مهمته البحث عن الأرشيف المفقود واسترداده، لكنه غير مفعل، فأسرعت بأخذ الموافقات اللازمة لتفعيله، ومن هناك بدأنا.. ففي واحدة من حملات الاسترداد حصلنا على أكثر من 1280 وثيقة مرئية ومسموعة مهمة من وثائق النظام السابق، وهكذا لم ينقطع عمل الفريق داخل وخارج العراق، وتجاوز خزيننا 30 ألف علبة للأفلام السينمائية حتى الآن.. أما الوثائق الورقية فهي تحوي ملايين الملفات، والعمل جار على إعادة حفظها وترميمها بعد أن حصلنا على مكان جديد يجري العمل فيه على بناء منظومة أرشيفية متطورة هي الأولى في العراق.. واستطعنا استرداد مئات العلب السينمائية المخبأة في أمكنة حكومية أو خاصة، وتعاني جميعها من أضرار فادحة.. كانت مهمتنا تشبه نقل مريض في حالة خطرة إلى قسم الطوارئ في مشفى عام. وهذه المهمة لم تنقطع حتى الآن.. فالجهات التي تحتفظ بهذا الإرث العراقي المهم لا تقدر حجم الضرر الذي تسببه للأفلام من خلال عدم توفر إجراءات الخزن الحقيقية وأوعية حفظ خاصة، أو تعتقد أنها ستبيعها يوماً ما بمبالغ طائلة. لهذا قدمنا الطلبات إثر الطلبات وعشرات الاجتماعات والدراسات التي أسفرت أخيراً عن الموافقة لتأسيس المركز.. وهو يضم ستة أقسام وأكثر من عشرين شعبة متخصصة، وتحت إشراف مكتب رئيس مجلس الوزراء".
وعن نوعية الوثائق التي تحفظ في المركز، قال السوداني: "المركز يحتفظ بمختلف أنواع الوثائق المرئية والمسموعة والمقروءة.. فالجانب المرئي يحتفظ بالأفلام السينمائية العراقية منذ منتصف القرن الماضي ولغاية اليوم، بما فيها السياسي والثقافي والعسكري، وهذه الوثائق تزداد باستمرار من خلال عمليات الاسترداد الخاصة للأرشيف المفقود، ولدينا قسم كامل في المركز يحمل عنوان قسم البحث والاسترداد، ويعنى بجمع المعلومات عن الأرشيف العراقي داخل وخارج العراق بالتعاون مع وزارة الخارجية العراقية وأجهزة المخابرات والأمن الوطني والقومي ووزارة الداخلية".
وفيما إذا يتوفر في المركز وثائق عن إقليم كوردستان، أوضح رئيس المركز الوطني للأرشيف والذاكرة العراقية: "فيما يتعلق بإقليم كوردستان فقد أبلغنا الجهات المماثلة هناك عن استعدادنا للتعاون بأعلى الدرجات لحفظ الأرشيف الوطني العراقي بكل قومياته.. وآخر لقاء تم في مهرجان كان السينمائي الذي أقيم مؤخراً في فرنسا، حيث عقدنا اجتماعاً مع هيئة الأفلام بالإقليم وشرعنا بتفاهمات سنكملها قريباً، وكلنا أمل أن تتمخض عن تعاون في هذا المجال".
يوضح السوداني: "فضلاً عن حفظ الذاكرة العراقية التي تعرضت للسرقة والإتلاف وعدم الاهتمام، فإن هدفنا في المركز إشاعة مفهوم احترام الوثيقة من خلال حفظها وترميمها ونشرها وإنصاف المظلومين وكشف الحقيقة وإتاحة الفرصة للباحثين للاطلاع عليها ودراستها.. ويجري الآن تهيئة إحدى قاعات المركز للعروض المتحفية التي سنعرض فيها لأول مرة وثائق في غاية الأهمية."، منبهاً إلى أن: "العمل جار على إطلاق منصة إلكترونية للمركز تتيح للباحثين معرفة موجودات المركز ووثائقه، خاصة للباحثين، ولا تحجب الوثائق إلا إذا كانت تؤدي إلى فتن طائفية أو انتقام من نوع ما، وتسلم نسخ منها للقضاء لأخذ ما يلزم".
وفيما يتعلق بالأرشيف اليهودي الذي يتعلق باليهود العراقيين، حيث اختفى بعد إرساله للولايات المتحدة، قال السوداني: "كان من المفترض أن يعود للعراق بعد ترميمه في عام 2014، وجرت الكثير من المحاولات لاسترداده، وكلها موثقة لدينا، لكن الأمر تأجل لعدم جدية الجانب العراقي أحياناً ومراوغة الجانب الأميركي في أكثر الأحيان، ونسعى لإسناد المهمة رسمياً للمركز في المستقبل القريب كونها خارج صلاحياتنا الآن.. لكننا نمتلك كافة المعلومات عن محتوياته، ونستطيع التفاوض بما يضمن عودته للعراق مجدداً، رافضين تسميته بالأرشيف اليهودي، بل الأرشيف الوطني العراقي الذي يضم كافة الأديان والقوميات."، مشيراً إلى أن: "للمركز لجنة استشارية تمثل أغلب الوزارات والأجهزة الأمنية، وننسق عملنا بطريقة ممتازة بين كل الأطراف لحفظ الوثيقة العراقية".
مع أن المركز مؤسسة حكومية ويخضع تمويله للموازنة العامة، إلا أنه، وحسب رئيسه حسن السوداني: "نسعى للحصول على الدعم من مؤسسات محلية ودولية من خلال المشاريع التي نقدمها. فقد عقدنا مذكرة تفاهم مع الحكومة الفرنسية لترميم مجموعة الأفلام السينمائية العراقية قبل عام 2000 ومنحناه اسم "سينماتك العراق 1". ورممنا فيلم سعيد أفندي وعرض في مهرجان كان العام الماضي، والآن أطلقنا مشروع "سينماتك 2" للأفلام التي أنتجت بعد عام 2000، وسنعلن عن الجهات الدولية التي تشاركنا المشروع قريباً.. وهناك مشروع الصورة الفوتوغرافية، ويجري العمل على استعادة آلاف الصور الخاصة بالنشاطات الثقافية السينمائية والمسرحية من خمسينيات القرن الماضي، ومشروع التوثيق التشكيلي الذي قطعنا فيه شوطاً مهماً بالتعاون مع مشروع (بينالي العراق الدولي للفنون)، ومشروع ترميم أشرطة التلفزيون بالتعاون مع شبكة الإعلام العراقي. أما البرامج الثقافية المتنوعة الخاصة بالذاكرة العراقية فسيعلن عنها قريباً بعد أن تكتمل قاعة المؤتمرات الجديدة في المركز".
