رووداو ديجيتال
أكد مدير مركز جسور للدراسات، محمد سرميني، وجود "توافق كبير" بين السوريين على ضرورة تطبيق اللامركزية الإدارية في سوريا المستقبل، مشدداً على أن الدستور القادم يجب أن يكون "توافقياً" لضمان حقوق جميع المكونات، وفي مقدمتها الكورد.
وقال سرميني في حوار مع شبكة رووداو الإعلامية، أجرته نالين حسن، إن "كتابة الدستور من القضايا الاستراتيجية والمهمة المرتبطة بالمرحلة الانتقالية"، موضحاً أن الجهة التي ستكتبه يجب أن تُمثل "كل المكونات السورية، من كل القوى، التيارات، وممثلين عن كل الشعب السوري" ضمن ما يعرف بـ"الجمعية التأسيسية".
وأضاف سرميني أن ضمان حقوق الكورد وباقي المكونات يتم عبر حضورهم في هذه الجمعية التأسيسية، مؤكداً أن "هذه المرحلة تحتاج إلى دستور توافقي أكثر من أنه دستور يمثل قضية انتخابية"، مردفاً: "لا بد أن يكون توافقياً بحيث أن يشمل مجمل آراء السوريين حتى يشعر كل السوريين أن هذا الدستور هو يمثلهم".
فيما يتعلق بشكل الدولة، أكد سرميني موقفه بالقول: "بكل وضوح، بعد 15 سنة هناك توافق كبير لدى السوريين على فكرة اللامركزية الإدارية وأنها ضرورية وأساسية".
وأشار إلى أن "المركزية وتمركز القرار يُعطِّل"، بينما ستساهم اللامركزية في "تطوير البلد على مستوى البنى الإدارية وكذلك الاقتصادات والتنمية المحلية"، وفق رأيه.
نص الحوار:
رووداو: مع استمرار النقاش حول مستقبل سوريا السياسي والدستوري تبرز أسئلة أساسية حول الجهة المخولة بصياغة الدستور وشكل الدولة ونظام الحكم وكيفية ضمان مشاركة مختلف المكونات السورية. للحديث عن هذه الملفات ينضم إلينا السيد محمد سرميني مدير مركز جسور للدراسات ضيفنا من دمشق.
سيد محمد، أهلاً وسهلاً بك ضيفاً على شاشة رووداو. لنبدأ من الشرعية والتمثيل سيد محمد، برأيك من يملك التفويض لاختيار الجهة التي ستكتب الدستور السوري؟
محمد سرميني: في الحقيقة كتابة الدستور من القضايا الاستراتيجية والمهمة المرتبطة بالمرحلة الانتقالية والمرتبطة بشكل أساسي في ما بعد أي مرحلة انتقال أو نزاع أو حرب أو ثورة. وهذا يعني أننا اليوم السوريين أمام محطة تاريخية لرسم مستقبلهم ومستقبل أولادهم وكتابة الدستور الذي يمثل رغباتهم وتطلعاتهم. وهذا يعني أيضاً أنه نحن نتكلم عن دستور لكل السوريين، أنه لا بد بأن يكون من يكتب الدستور هو من كل المكونات السورية، من كل القوى، التيارات، ممثلين عن كل الشعب السوري. هذا في العرف يأتي بأن هناك ما بعد المرحلة الانتقالية يتم تشكيل شيء اسمه الجمعية الانتقالية أو الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور أو الجمعية الوطنية لكتابة الدستور. وهي غالباً تكون ممثلة من عدة فئات، سواء كان ناس ممثلين عن الشعب أو عن منظمات المجتمع المدني أو حتى عن القطاعات المجتمعية المختلفة. نحن لا نتكلم عن فقط المكونات سواء كانت الدينية أو الإثنية، أيضاً نحن نتكلم عن المكونات الثقافية والمجتمعية التي تساهم في رسم دستور أو كتابة دستور عصري يرسم مستقبل سوريا.
رووداو: نعم، سيد محمد، هذه الجمعية التأسيسية برأيك سيد محمد، هل ستكون جمعية تأسيسية منتخبة أم توافقية بين القوى السياسية ومؤسسات الدولة؟
محمد سرميني: اليوم نتيجة المرحلة الانتقالية السورية، حصل أن كتابة الدستور أو تشكيل الجمعية الوطنية لكتابة الدستور مَعنيّة فيها السلطة التنفيذية، وهي من تدعو لتشكيلها. فكرة الانتخابات ربما نحن ندرك صعوبة ذلك حالياً، وإمكانية أن تشكل الانتخابات والاختيار الانتخابي وأن يكون هناك ممثلين عن الشعب، إذ تحتاج وقتاً طويلاً وآليات مختلفة، لكن يكفي أن يكون هناك ما يسمى مصفوفة أو خارطة تمثل كل هذه المكونات ويكون مكونة عنهم. يكفيني عملياً في كتابة الدستور، أنا أو أي شخص، أن أشعر بأن هناك من يشبهني أو من يتطلع أو يُمثل تطلعاتي أن يقدم أو يرسم أو يناقش الأفكار الأساسية في كتابة الدستور. وأريد أن أنوه على نقطة مهمة أيضاً هنا: نحن نريد أن نفرق وللجمهور الكريم أن يفرّق بين كتابة النص الدستوري وهذا عمل تقني يكتبه خبراء دستوريين، سواء كانوا سوريين وهناك كثير من الخبراء السوريين أو حتى الاستعانة بالخبرات الخارجية، لكن المواد، روح الدستور، النقاط الأساسية المتضمنة الدستور، لا بد أن يشارك فيها كل السوريين، وهنا هي النقطة المهمة، بأنه ليست بالضرورة أن تكون هناك خبراء دستوريين في الجمعية التأسيسية الوطنية الدستورية، بمعنى مهم أن يكون هناك لفحوى ضبط الحوار فيما بينهم، ولكن الأهم هو أن يكون هناك فعلاً تمثيلاً واقعياً حقيقياً لكل مكونات الشعب السوري وتطلعاته. وهذا يعني أننا نتكلم ربما عن جمعية من مئات الأشخاص أو مئتين أو أكثر، هؤلاء يتم اختيارهم ضمن، كما ذكرت، الفسيفساء السورية بمكوناتها وبثقافاتها المختلفة، ثم بعد ذلك تبدأ حواراً وطنياً في هذا الأمر، فالموضوع ليس قضية..
رووداو: هذا يحتاج إلى وقت أيضاً سيد محمد، برأيك هل تأخر الوقت؟ هل تأخرت سوريا في كتابة الدستور أم أن الوقت المتبقي من هذه المرحلة الانتقالية كافٍ لكتابة الدستور؟
محمد سرميني: بتقديري الوقت الآن مناسب، وخصوصاً بعد انتهائنا في النظام السياسي من تشكيل البنى السياسية الأساسية، سواء كان النظام الرئاسي، والحكومة الانتقالية، ثم بعد ذلك البرلمان. فاليوم الاستحقاق المهم هو كتابة الدستور. من خلال كما ذكرت ربما نحتاج إلى نهاية المرحلة الانتقالية، وليسَ لدينا استحقاق الآن، بمعنى أننا نريد أن نكتبه خلال شهر أو شهرين، لا، هناك وقت، هناك إعلان دستوري ناظم وضابط للمرحلة الانتقالية، يستطيع أن ترتكز عليه السلطات الثلاثة في المرحلة الانتقالية، ولكن نحن نحتاج اليوم إلى أن يكون هناك عمل منذ الآن على كتابة الدستور. ولا بد أن أؤكد أن كتابة الدستور لا بد أن يتم بشكلٍ وفقَ منهجية التروي وليست الاستعجال. نحن نريد أن يكون هناك حوارات متكاملة، رصينة، تسودها أجواء حوار كبيرة. وخصوصاً نحن نعرف تماماً أن هناك نتيجة الحقبة السابقة، حقبة الاستبداد والظلم والإجرام الذي حصل، حقبة الأسد السوداء، نتج عنها أن هناك تفكك بين كل المكونات، ثم نتج أيضاً بعد انطلاق الثورة ودخول الصراع بكل أشكاله، نتج عنها أيضاً فجوات وربما حتى أسوار بُنيت بين كثير من الأفكار والمعتقدات والمكونات. هذا الحوار سيعمل على تفكيكها والبحث عن المشتركات؛ لأن الدستور هو العقد المشترك الذي يمثل كل السوريين.
رووداو: ويجب أن يكون الضامن أيضاً سيد محمد، الضامن لكافة الحقوق. برأيك كيف يمكن أن يضمن الدستور السوري حقوق الكورد وباقي المكونات أيضاً القومية والثقافية والسياسية في سوريا؟ بأي شكل؟
محمد سرميني: الشكل هو أولاً وجود كل هذه المكونات، أن تكون هذه المكونات حاضرة في الجمعية الوطنية التأسيسية لكتابة الدستور، أن تضمن أفكارها الأساسية التي تريد أن تكون جزءاً من المرحلة القادمة وجزءاً من مستقبل سوريا التي تضمن لها حقوقها. لأنه بعد ذلك سيعرض الدستور إلى الاستفتاء، ولأكون صريحاً، فإن هذه المرحلة تحتاج إلى دستور توافقي أكثر من أنه دستور يمثل قضية انتخابية، بمعنى ليس المهم أن يكون ممثلاً لمعظم أو أغلبية السوريين، بل لا بد أن يكون توافقياً بحيث أن يشمل مجمل آراء السوريين حتى يشعر كل السوريين أن هذا الدستور هو يمثلهم. صحيح أن المهمة ليست سهلة وأن هناك كثير من التحديات والعقبات، ولكن كما ذكرت المدة الزمنية كفيلة بأن تجعل هذه الحوارات أكثر نُضجاً، وأن تجعل إمكانية الوصول إلى توافقات كبيرة جداً. خصوصاً أن هناك رغبة صادقة من كافة السوريين والسوريات أن يمضوا قدماً في النظرة للمستقبل وليس العودة إلى الوراء، وليس البقاء في مناقشة القضايا الإشكالية. وبما أنكِ طرحتِ الكورد كمثال، الاتفاق الذي حصل في 18 آذار والمرسوم الذي صدر، والتفاعل الكوردي وأهلنا الكورد مع هذا الخطاب وهذا المرسوم، يدل أن هناك رغبة صادقة من الطرفين بأن نكون فعلاً، جزءاً من سوريا وسوريا تمثلنا جميعاً. واليوم ليس فقط على إخوتنا الكورد، بل أيضاً على كل المكونات الأخرى، لا بد للجميع أن يشعر بأن الدستور يمثله فعلاً وأنه الضامن له، وأنه هو الجهة المرجعية التي يرجع عليها عندما يشعر أن هناك، يتساءل ما هي حقوقه وما هي الواجبات التي يجب القيام بها. فهذه أيضاً نقطة مهمة، يعني القضية ليست فقط أننا نريد أن نضمن فقط الحقوق، وأيضاً نعرف ما هي الواجبات المعنية على كل السوريين. كما للسوريين حق على وطنهم، كذلك وطنهم له حق عليهم في أن يقوموا بواجباتهم تجاهه.
رووداو: تماماً. سيد محمد بُحكم لديكم تجربة طويلة كمركز جسور للدراسات وعلاقات مميزة مع كافة الشعب السوري، بعيداً عن العموميات برأيك هل ترى سوريا المقبلة دولة مركزية أم لا مركزية؟ بكلمة واحدة لو سمحت.
محمد سرميني: لا لا، بكل وضوح، بعد 15 سنة هناك توافق كبير لدى السوريين على فكرة اللامركزية الإدارية وأنها ضرورية وأساسية. فكرة المركز، وفكرة التمركز حول القرار في المركز يُعطِّل، فاليوم نحن نعيش في زمن السرعة وزمن المرونة، وكلنا نعرف اليوم أنه ربما تنجز كثير من الأعمال بكبسة زر وأنت من بلد إلى بلد، فما بالك إذا داخل البلد الواحد. اليوم اللامركزية الإدارية ستساهم بشكل كبير في تطوير البلد على مستوى البنى الإدارية وعلى مستوى كذلك الاقتصادات المحلية وعلى مستوى التنمية المحلية. اليوم سوريا تحتاج إلى فعلاً أن تفعل هذه الخطوة بشكل فعلي وجاد. كان هناك كثير من القوانين، فالقانون الشهير رقم 107 في الإدارة المحلية يؤكد على اللامركزية الإدارية، هذه النقطة أيضاً كانت موجودة في العهد السابق ولم يتم تفعيلها، ما زال المركز هو المطلق. اليوم مطلوب من السلطة الحالية في المرحلة الانتقالية، وفي الحكومة الانتقالية، أن تؤكد على فكرة أنها تريد تفعيل هذا الموضوع. ما زلنا نعاني وما زال السوريين يعانون من فكرة أن الجميع لا بد أن يرجع إلى المركز، القرار موجود في دمشق، هناك حاجة في قضايا بسيطة تستطيع أي جهة محلية أن تبت فيها. منح الصلاحيات للأطراف أو للمدن أو هذا سيساعد بشكل كبير جداً في إعطاء فرصة كبيرة للتطور وللازدهار. هناك تجارب في دول الجوار عديدة تؤكد على فكرة اللامركزية الإدارية وتساهم بشكل كبير في تطوير هذه الدول. وهذا يعني أنه من الجيد الاستفادة من هذه التجارب ونقلها وتفعيلها بشكل كبير جداً.

