رووداو ديجيتال
أكد المسؤول السابق عن سجون بغداد، ناظم المالكي أن الرئيس الأسبق صدام حسين "ظل محتجزاً تحت
حراسة أميركية مباشرة في موقع خاص بمطار بغداد حتى يوم تنفيذ حكم الإعدام بحقه"،
مبيناً أن "دولاً عربية ضغطت لنقله واحتجازه كرهينة خارج العراق، وعرضت
أموالاً طائلة على واشنطن".
وكشف ناظم المالكي خلال مقابلته، على شبكة رووداو الإعلامية، في برنامج (پەنجەمۆر/ البصمة)، عن تفاصيل إدارته لسجون بغداد خلال فترات أمنية حساسة، مبيناً أن "الطاقة
الاستيعابية بلغت في فترته أكثر من 72 ألف نزيل موزعين على 27 قسماً إصلاحياً"، موضحاً
أن "مهام الدائرة شملت استقبال المعتقلين من مختلف الأجهزة الأمنية والقوات
العسكرية، وسط تحديات لوجستية تمثلت في افتقار بعض الأقسام للبنى التحتية الملائمة
لكونها شُيدت بشكل مؤقت كأقفاص حديدية مغطاة".
وأشار ناظم المالكي إلى عملية تسلم
المعتقلين من القوات الأميركية في معسكري التاجي وكروبر عام 2010، مبيناً أن "الدائرة تسلمت تدريجياً قائمة المطلوبين الـ 55 من رموز النظام السابق وقيادات
أخرى، في حين احتفظ الجانب الأميركي بعدد من الشخصيات لفترات إضافية لدواعٍ أمنية
وتحقيقية".
وفيما يخص مصير قيادات النظام السابق
البالغ عددهم 55 مسؤولاً، أوضح المالكي أن "مساراتهم تباينت بين تنفيذ أحكام
الإعدام القضائية بحق مدانين مثل برزان التكريتي وعلي حسن المجيد وعواد البندر وطه
ياسين رمضان، وبين الوفاة داخل السجن جراء تقدم السن والأمراض المزمنة والسرطان
مثل طارق عزيز وسلطان هاشم".
وأضاف أن "نحو 18 شخصاً منهم
أُطلق سراحهم بعد تبرئتهم من المحاكم أو بعد انقضاء فترات محكومياتهم، ومن بينهم
لطيف محل حمود ومحمد مهدي صالح".
ونفى ناظم المالكي "تسجيل أي ممارسات
تعذيب بحق النزلاء خلال فترة إشرافه"، مشدداً على أن "التعامل مع
الموقوفين جرى وفق القواعد القانونية والمهنية العسكرية".
وأدناه نص الحوار:
رووداو: لو
طرحت هذا السؤال، هل تم تعيينكم من قبل الأميركيين لتكونوا مسؤولين عن سجون بغداد،
أم أن مجلس الحكم هو من عينكم؟ من الذي عينكم وكيف تم اختياركم؟
ناظم المالكي: أنا
قلت لك بالبداية إنه نحن كنا في قيادة شرطة ميسان، فتم تحويلنا؛ الشرطة كاملة
والقسم بالكامل نُقل من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل، إلى دائرة الإصلاح
العراقية التي هي السجون. النقل جاء بقرار من بريمر بنقل القسم
بممتلكاته، وآلياته، وأسلحته، والأشخاص إلى وزارة العدل. وكان خياراً؛ إذا شخص لا يريد
الانتقال بإمكانه العودة لوزارة الداخلية، لكن الأغلبية كانت لديهم رغبة بالتحول
لوزارة العدل باعتبارها من الوزارات المدنية ذات الطابع الأمني. دائرة
الإصلاح مهمة جداً لأنها تضم جهود القوات المسلحة بكاملها من الدفاع والداخلية
والمخابرات والأمن، وكل من يقبضون عليه من مجرمين أو إرهابيين يسلمونه لها. لذلك
أصبحت أعداد السجناء فقط في بغداد بين أعوام 2008 و2012 تتجاوز 72 ألف سجين عبر 27
قسماً. لكن للأسف، أغلب البنايات بناها
الأميركان وكانت عبارة عن قفص حديدي فوقه قماش(جادر)، وكانت خطرة علينا لأن
السجناء أغلبهم من تنظيم القاعدة وكانوا خطرين جداً، والحراسة كانت مشددة ومتعبة
للغاية.
رووداو: حسناً،
تقول إن المسجونين كانوا في الغالب من الإرهابيين، أي أن 60 ألف شخص عدد كبير
جداً، فماذا عن الآخرين الذين كانوا ينتمون إلى حزب البعث والذين تم اعتقالهم؟ هل
كان كل هؤلاء معاً في السجن أم كانوا منفصلين؟
ناظم المالكي: كان
تحت سيطرتنا 27 سجناً تابعة لدائرة الإصلاح بوزارة العدل، وسجنان كانا تحت سيطرة
قوات التحالف الأميركية هما سجن التاجي وسجن كروبر. في عام 2010 في زمن الوزير القاضي
دارا، جاءت الموافقة من الأميركان لتسليمنا سجن التاجي وكان يضم 7500 سجين. وبعدها
بنحو أربعة أشهر بدأنا بتسلم سجن كروبر. وعندما تسلمنا كروبر لم يسلمونا في
البداية القسم التابع للنظام البائد وهم قائمة الـ 55، حيث كان القسم يضم نحو 200
سجين من قيادات حزبية ومسؤولي فروع وشعب، وقيادات من المقاومة ضد الأميركان مثل
قياديين في التيار الصدري وغيرهم، إضافة إلى قيادات من القاعدة. بقوا
فترة تقريباً 3 إلى 4 أشهر، ثم بدؤوا بتسليمنا سجناء النظام البائد ما عدا 6 أشخاص
هم: حسين رشيد، وسلطان هاشم، وعلي حسن المجيد، ووطبان، وسبعاوي، وعضو قيادة قطرية
آخر، احتفظوا بهم لنحو 6 أشهر ثم استلمناهم.
رووداو: حسناً،
كان هناك أشخاص آخرون مقربون من صدام، مثل برزان ووطبان وهؤلاء، لماذا لم يتم
تسليمهم؟ أي هل كانوا تحت إشراف الأميركيين؟
ناظم المالكي: هم
كانوا يعتقدون أن هؤلاء أشخاص خطرون جداً وعليهم خطوط حمراء، ولربما كان لديهم
استكمال للتحقيق معهم؛ لأن الجانب الأميركي حقق مع رجال النظام البائد قبل أن تحقق
معهم القوات العراقية ودوّنوا إفاداتهم، وبعد انتقالهم إلينا استكملنا التحقيق.
رووداو: يعني
هل كانوا أخطر حتى من علي حسن المجيد؟
ناظم المالكي: نعم،
كانوا يعتبرونهم خطرين جداً وعليهم خطوط حمراء ولديهم تحقيقات خاصة معهم.
رووداو: من هم الذين بقوا لدى الأميركيين، مثل صدام وبرزان، ومن أيضاً؟
ناظم المالكي: صدام
منذ البداية كان لدى الأميركان إلى أن أُعدم، وجاؤوا به يوم الإعدام فقط للتنفيذ
ولم يسلموه للقوات العراقية مسبقاً. أما علي حسن المجيد فتم تسليمه لنا
قبل أسبوع أو عشرة أيام من التنفيذ، وبقية الخمسة احتفظوا بهم لنحو شهرين ثم
سلموهم لنا بالكامل.
رووداو: بعد
أن تم تعيينك مديراً، ذكرت وجود 25 سجناً و60 ألف سجين، كيف تمكنتم، لنقل، من
إدارة كل هذا العدد من الناس؟ بالتأكيد لم تفعل ذلك بمفردك، هل كان الذين معك
متعاونين؟
ناظم المالكي: طبعاً،
كان معي مدراء وشخصيات ذوو خبرة، والوزير بذل جهوداً وأرسلنا في بعثات تدريبية إلى
بريطانيا وألمانيا وهنغاريا والسويد. وكان لدينا مدراء متميزون، مثل الأخ
عباس ناصر الشمخي الذي كان يساعدني وهو من استلم علي حسن المجيد من الأميركان. والوزير
القاضي دارا كان وزيراً قانونياً غير طائفي وبعيداً عن الفساد، ويشجعنا دائماً على
تطبيق القانون بحذافيره واحترام الكوادر وتلبية احتياجاتها.
رووداو: حسناً،
هل كانت لديكم السلطة، أنت والوزير، أم أن كل السلطة كانت بيد الأميركيين وكنتم
أنتم كظل لهم؟
ناظم المالكي: في
فترة 2010 و2011، كان الأميركان يأتون للمراقبة فقط؛ يدخلون للتأكد من وجود شخصيات
قيادية معينة سلموها لنا وما إذا كانت لا تزال بالسجن أم أُطلق سراحها. استمرت
تلك المراقبة حتى أواخر 2011 أو 2012 ثم انقطعت، وكانت لديهم مناطيد هوائية
بكاميرات لمراقبة السجون من الجو.
رووداو: حسناً،
هل كان هناك سجن خارج سلطتكم تماماً، أي خارج صلاحياتكم، ويشرف عليه الأميركيون
فقط؟
ناظم المالكي: السجون التي استلمناها كانت بالكامل
تحت سيطرتنا ولا يمكنهم التصرف بها، والستة أشخاص فقط هم من بقوا لديهم في البداية. سابقاً
كان سجنا التاجي وكروبر تحت إمرتهم ويضمان نحو 10 آلاف نزيل، ولكن بعد تسلمهما عام
2010 انتهت صلاحيتهم تماماً.
رووداو: بمعنى
أنه لم تكن هناك سجون سرية؟
ناظم المالكي: لا
توجد سجون تابعة لهم حصراً بعد تسليم كروبر والتاجي عام 2010.
رووداو: أنت
شخصياً، كشخص كنت في الجيش العراقي وتوليت مسؤوليات، ما هو شعورك وأنت مسؤول عن
أشخاص كانوا مسجونين هناك وكانوا في السابق رؤساءك؟ أي كيف كان هذا الشعور كإنسان
وكقائد عسكري؟
ناظم المالكي: نحن
كضباط تخرجنا في الكلية العسكرية وتربينا على أننا ملك للوطن ولسنا ملكاً لنظام أو
حزب أو حركة أو رئيس وزراء. نتعامل مع العسكري باحترام ومهنية عسكرية،
ومع المجرم بإجراءات أخرى. هؤلاء القادة مثل سلطان هاشم أو لطيف
محل حمود أو زهير النقيب كانوا رؤساءنا في الجيش سابقاً، وليس من الشجاعة ولا
الأخلاق ولا المهنية أن أتجاوز على سجين أو أسير، فالأعراف والقوانين تمنع التجاوز
على السجين.
رووداو: لكن
بعض هؤلاء كانوا يعتبرون مجرمين في نظركم، ومع ذلك سمعناك تقول: سيدي، قائدي،
سيادة الوزير، أي أنك عاملتهم باحترام كبير كما لو كنتم في الجيش العراقي، ما سبب
ذلك؟
ناظم المالكي: أنا كعسكري ومهني لا أسمح لنفسي
بالتجاوز على موقوفين لم تثبت إدانتهم بعد، فالقانون ينص على أن المتهم بريء حتى
تثبت إدانته. في ذلك الوقت كان سلطان هاشم ولطيف
محل حمود موقوفين ولم يكونوا محكومين. حتى طارق عزيز عاملته باحترام لأنه لم
تكن يداه ملطخة بدماء العراقيين بل كان واجهة دبلوماسية وسياسية، والضباط
العسكريون كانوا ينفذون الأوامر كالآلة. وطارق عزيز قال لي شخصياً إن معظم
المسجونين مسلوبو الإرادة وأشبه بأحجار الشطرنج، وإن هناك تسعة أشخاص فقط هم من
كانوا يملكون صلاحيات الإعدام والقتل ودمروا الحكم وقرارات صدام حسين وأدخلوه في
حرب الكويت.
رووداو: ولكن
هؤلاء الأشخاص التسعة عينهم صدام بنفسه، فهم ليسوا..
ناظم المالكي: نعم
هو من عينهم، وطارق عزيز قال لي: "أنا كنت نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً
للخارجية ولم تكن لدي صلاحية قتل أو إعدام أحد، أما هؤلاء التسعة فكانت لديهم
الصلاحيات المطلقة بالقتل". ونصحني بألا أعامل بقية الـ 55 بذات
أسلوب التعامل مع علي حسن المجيد لوجود مرضى وأبرياء بينهم.
رووداو: من
كانوا هؤلاء؟ ما هي أسماؤهم؟
ناظم المالكي: ذكر منهم عزة الدوري، وعدي، وقصي،
وعلي حسن المجيد، ووطبان، وسبعاوي، وبرزان، وطه ياسين رمضان، وعبد حمود. هؤلاء
مارسوا صلاحيات الإعدام الميداني المباشر في الشوارع دون محاكمات أو تحقيقات إبان
أحداث عام 1991 في البصرة والناصرية والعمارة.
رووداو: هل
كان طارق عزيز يدافع عن صدام حسين؟
ناظم المالكي: طارق عزيز تحدث عن هؤلاء التسعة
وحمّلهم مسؤولية ما جرى، لكنه طوال حديثي معه لم يتطرق بالإساءة إلى صدام حسين
مطلقاً.
رووداو: هل كان قادة البعث ومن نسميهم جماعة القاعدة والإرهابيين
مسجونين معاً أم بشكل منفصل؟ هل كانت أماكنهم منفصلة؟ هل كان هناك اختلاط فيما
بينهم؟ وهل كانوا على علم بوجود بعضهم البعض؟
ناظم المالكي: تحت
إدارة الأميركان، كانوا جميعاً في قسم واحد يضم نحو 200 نزيل، لكن كل مجموعة داخل
زنزانات منفصلة. وكانوا يختلطون أحياناً خلال ساعات
التشميس أو الرياضة في الساحة المخصصة.
رووداو: القاعدة
والبعثيون، كانوا مسجونين في نفس المكان؟
ناظم المالكي: نعم، في كروبر كانوا ضمن قسم واحد محصورين معاً، لكن الزنزانات
كانت معزولة، والتقاؤهم كان محصوراً بساحات التشميس والرياضة.
رووداو: من
مسؤولي القاعدة إذا تحدثنا عنهم الآن، من كان هناك؟ أي هل كان هناك مسؤول كبير
مسجوناً تحت إشرافكم؟
ناظم المالكي: قيادات
القاعدة لم تكن معروفة آنذاك بتسمياتها الحقيقية، زوجة أبو بكر البغدادي كانت
محتجزة لدينا، وأحمد الشرع كان موجوداً في سجن كروبر لكن بأسماء وهمية وحركية غير
بارزة، ولم يكن اسماً معروفاً حينها مثل البغدادي أو الزرقاوي.
رووداو: هل
كان أحمد الشرع مسجوناً لديكم؟
ناظم المالكي: لم يكن بارزاً بهذا الاسم، بل كان
يستخدم أسماء مستعارة كما يفعل عناصر التنظيم، ولم نكن نعلم هويته الحقيقية
البارزة آنذاك.
رووداو: وماذا عن زوجة أبو بكر البغدادي؟ هل رأيتها عن قرب، وهل أجريت
أي تحقيق معها؟
ناظم المالكي: نعم،
أشرفت على استلامها مع أطفالها، ووفرنا لها زنزانة خاصة في سجن النساء لعزلها عن
بقية السجينات.
رووداو: هل
هؤلاء ما زالوا مسجونين أم ماذا حل بهم؟
ناظم المالكي: أُطلق سراح الأطفال لاحقاً، ومن ثم
أُفرج عنها لعدم ثبوت أي تهمة أو إدانة قضائية بحقها.
رووداو: تلك
الجماعات الإرهابية التي كانت هناك، على سبيل المثال، هل كانت تقيم أي دورات أو
حلقات خاصة بينها سراً عنكم، أم أنكم سمحتم لهم بذلك؟ هل كنتم تسمحون لهم بنشر
أفكارهم، أي المناقشات الدينية والإسلامية؟
ناظم المالكي: كنا نمنع ذلك تماماً، لكنهم داخل
الزنزانات في عهد الإشراف الأميركي كانوا يقومون باستقطاب وتجنيد الموقوفين
المشتبه بهم وضمهم لتنظيماتهم. وكانت تقع خروقات فردية عبر تهريب
هواتف نقالة للتواصل مع الخارج وإدارة مجاميع، وهذا يحدث في كل سجون العالم رغم
الرقابة الشديدة. وطوال فترة عملي لم يسجل أي هروب، وحادثة هروب 1800 نزيل من سجن
أبو غريب حدثت عام 2013 بعد مغادرتي المنصب.
رووداو: لماذا
تتحدث عن حسن الشمري بسوء؟ هل كان دوره غير جيد؟ هل كان غير قادر على إدارة الوضع
بشكل جيد، أم كان هناك فساد؟ ماذا كان الأمر؟
ناظم المالكي: الوزارة
كانت تدار بانضباط وخبرة مركزية في عهد القاضي دارا، لكن بعد ذلك تم استبدال مدراء
الأقسام ذوي الخبرة بأشخاص يفتقرون للكفاءة وأسندت المناصب بناءً على الولاءات
الحزبية. السجون تتطلب تخصصاً وحنكة قيادية،
وعندما يتم تعيين حراس في مناصب مدراء دون دورات أو خبرة تقع الكوارث، وهو ما أدى
لحدوث إخفاقات أمنية كبرى كحادثة هروب سجن أبو غريب.
رووداو: هل تقصد أن المسؤولين أو الحراس قد تعاونوا معهم؟ هل قدموا لهم
المساعدة؟
ناظم المالكي: مستحيل أن يكون الحراس قد ساعدوهم، بل
وقع إرباك وتداخل في الصلاحيات بين الشرطة الاتحادية المسؤولة عن الأبراج والأسوار
الخارجية وحراس الإصلاح داخل الأبواب، واستُهدفت الأسوار بسيارة مفخخة وحدث الهروب. غياب
المدراء المهنيين القدامى هو ما أحدث الفراغ، إلى أن استقر الوضع لاحقاً في عهد
الدكتور خالد شواني.
رووداو: سيد
ناظم، لو طرحت هذا السؤال: سلوك المسؤولين، خاصة مسؤولي حزب البعث وأولئك من
القاعدة والجماعات الإرهابية، هل كان هناك فرق في سلوكهم في التعامل معكم أم كانوا
جميعاً متشابهين؟
ناظم المالكي: عناصر
القاعدة نقلناهم لمخيمات في الرصافة، وكانوا يحاولون حفر أنفاق؛ حيث اكتشفنا نفقاً
بطول 45 متراً حفروه من داخل المرافق الصحية باستخدام قطع حديدية مستخلصة من
خيامهم ونقل التراب أثناء ساعات التشميس. أما مسؤولو النظام السابق فكانوا في
سجن الحماية القصوى المشيد بالطابوق والمحصن، وكانوا في الغالب كباراً في السن
ومرضى وفاقدي المعنويات ولا يقوون على مثل هذه الأعمال.
رووداو: حسناً،
كيف تمكنوا من فعل ذلك؟
ناظم المالكي: رفعوا
الأرضيات الحوضية في الحمامات وبدؤوا الحفر بمخلفات حديدية، وكانوا يهربون التراب
بوضعه داخل ملابسهم وإفراغه أثناء الركض في ساحات التشميس والرياضة.
رووداو: كيف
علمتم بذلك أنتم؟
ناظم المالكي: أحد الحراس في أبراج المراقبة سمع
أصوات ضرب وحفر تحت الأرض على عمق معين، فقمنا بتفتيش القواطع والخيام واكتشفنا
النفق قبل وصولهم إلى ما بعد السياج الخارجي بنحو 5 أمتار.
رووداو: هل
حققتم مع أولئك الذين قاموا بذلك الفعل؟
ناظم المالكي: نعم،
حققنا معهم وعوقبوا بنقلهم إلى قواطع أخرى مشددة الحراسة.
رووداو: لو
طرحنا هذا السؤال: خارج السجن الذي كنتم تديرونه، وبقدر ما لم تكن لديكم سيطرة
عليه، هل كان لديكم أي علم بالمكان الذي كان صدام حسين مسجوناً فيه؟ أي كيف كان
يقضي حياته هناك؟ هل كان لديكم علم، هل وصلكم أي خبر على الإطلاق؟
ناظم المالكي: صدام
حسين لم يكن خاضعاً لسلطة دائرة الإصلاح العراقية إطلاقاً، بل كان محتجزاً بزنزانة
انفرادية خاصة في مطار بغداد تحت حراسة ضباط أميركيين ولا يزوره سوى المحامي
والطبيب، ولم يزره من المسؤولين العراقيين سوى أحمد الجلبي وعدنان الباجه جي وموفق
الربيعي في البداية بطلب أميركي، ولم نطلع على مكانه إلا بعد تسلم سجن كروبر
لاحقاً.
رووداو: نسمع
الكثير من القصص في الخارج، خاصة أنهم تحدثوا عن بعض الأشخاص منهم موفق الربيعي،
هل صحيح أن بعض المسؤولين العراقيين كانوا يخشون صدام حتى في السجن؟ هل يوجد شيء
من هذا القبيل؟
ناظم المالكي: سمعنا من خلال الأخبار المتداولة أن
الربيعي كان متوتراً ويشعر بالخوف خلال الزيارة، في حين لم يظهر ذلك على الجلبي أو
الباجه جي. هيبة النظام السابق كانت دموية وزرعت
الخوف لدى الجميع لعقود، لكن في المحكمة كان يظهر عليهم التماسك أمام الكاميرات،
بينما داخل الزنزانات وفي غياب الإعلام كان سلوكهم مختلفاً تماماً.
رووداو: إذاً
هم كانوا يقومون بالاستعراض أمام الكاميرات لكي يرسلوا بعض الإشارات والرموز إلى
الخارج، أي إلى أنصارهم وأمثالهم، لكن في الأوقات الأخرى كانوا يتصرفون بشكل
مختلف، أي كانوا خائفين؟
ناظم المالكي: نعم، المحكمة كانت منصة لإرسال رسائل
مبطنة وإشارات لأنصارهم، أما داخل الزنزانات فكانوا في حالة انكسار تام باستثناء
تصرفات عبثية واعتداءات كان يفتعلها عبد حمود ضد زملائه من كبار السن حول أمور
تافهة كالطعام أو التلفاز.
رووداو: حسناً،
لماذا تقول إن عبود كان عشوائياً، أي ماذا كانت تصرفاته؟
ناظم المالكي: في إحدى المرات أبلغني مدير القسم
بوجود حالة شغب واعتداء بالضرب من قبل عبد حمود على مسؤولي النظام السابق من كبار
السن. دخلت عليهم وأمرت بإنزالهم بالزي
البرتقالي، وتفاجؤوا بمعاملتي اللائقة لطارق عزيز وسلطان هاشم وإيقاف اعتداءات عبد
حمود، حيث كان الأخير قد افتعل شجاراً واعتدى على النزلاء لاحتجاجه على تغيير وجبة
عشاء دسمة بوجبة مسلوقة بناءً على طلب طارق عزيز وزملائه المصابين بالسكري والضغط،
فعزلنا عبد حمود في زنزانة انفرادية.
رووداو: أي
أنهم كانوا يظنون أنك من أقربائه؟
ناظم المالكي: نعم، ظنوا لكوني من عشيرة المالكي
أنني سأعتدي عليهم انتقاماً، فتفاجؤوا حين خطابتهم برتبهم وألقابهم السابقة،
وأوضحت لهم أننا دولة قانون ومؤسسات ولسنا نظاماً قمعياً، وأن التجاوز على
الموقوفين يخالف مبادئنا العسكرية.
رووداو: هل لبيتم مطالبهم بعد ذلك؟
ناظم المالكي: نعم، عزلنا عبد حمود في محجر انفرادي،
ولبينا احتياجاتهم الصحية والغذائية ونظمنا مواجهات دورية مع عائلاتهم وأطفالهم
والسماح لهم بالاتصالات.
رووداو: حسناً،
السجناء الذين كان بعضهم وزراء وذوي رتب عليا، هل كان يتم توفير التلفاز والقلم
والورق والكتب وهذه الأشياء لهم؟ هل كانوا يستطيعون مثلاً كتابة شيء ما، كتابة
رسائل أو ماذا؟
ناظم المالكي: لم تكن هناك كتب، لكن وفرنا لهم
أوراقاً وأقلاماً لكتابة مذكراتهم ورسائلهم، ووفرنا أجهزة تلفاز وتدفئة وتبريد
أسوة ببقية نزلاء السجون العراقية.
رووداو: حسناً،
أود أن أطرح هذا السؤال: بخصوص صدام حسين، كان دائماً يحمل مصحفاً، أي أنه كان
يظهر المصحف باستمرار، ماذا كان يقصد؟ هل كانت لديه رسالة برأيك؟ ما الذي كان يريد
أن يموّه بشأنه؟
ناظم المالكي: كانت رسالة موجهة للشعوب العربية
والإسلامية وللشارع العاطفي لإظهار نفسه كقائد مسلم يحاكم أمام محكمة وقوات
أجنبية، بهدف تحريك الرأي العام والاحتجاجات في الخارج، وهو ما حدث بالفعل حين تعاطفت
معه أطراف إقليمية.
رووداو: هل
صحيح ما سمعناه بأن بعض الدول العربية طلبت نقل صدام حسين إلى دولة أخرى وما إلى
ذلك؟
ناظم المالكي: نعم،
ضغطت دول عربية لنقله واحتجازه كرهينة أو لاجئ خارج العراق، وعرضت أموالاً طائلة
وضغوطات على واشنطن. والإسراع بتنفيذ حكم الإعدام جاء لقطع
الطريق أمام تلك الضغوط الدولية لتهريبه أو نقله.
رووداو: يعني
كانوا مستعدين لدفع أموال وتقديم رشوة للأميركيين؟
ناظم المالكي: نعم،
بُذلت محاولات وضغوطات هائلة على الإدارة والكونغرس الأميركي لنقله إلى خارج
العراق بملايين أو مليارات الدولارات.
رووداو: يعني
برأيك، لو لم يتم إعدامه، هل كان هناك احتمال أن ينجو صدام حسين؟ النجاة بمعنى
نقله إلى بلد آخر، هل كان ذلك ممكناً؟
ناظم المالكي: بحسب تقديري، لو تأخر تنفيذ الحكم
لمدة شهر أو عشرين يوماً لتمكنت تلك الضغوط من إخراجه خارج العراق، وكان قرار
الإسراع بالتنفيذ قراراً حاسماً.
رووداو: سيد
ناظم، هل يمكن أن تذكر لنا بعض الأسماء، أسماء الوزراء والأشخاص الذين كانوا
لديكم؟ هل لديك قائمة بمجموعة من الأسماء؟ من هي تلك الأسماء التي كانت مسجونة
لديكم، خاصة مسؤولي حزب البعث؟
ناظم المالكي: نعم،
قائمة الـ 55 استلمناهم باستثناء صدام الذي جلب يوم التنفيذ فقط. وقد
توزع مصيرهم كالآتي: من أُعدموا هم صدام حسين، وعواد البندر، وطه ياسين رمضان،
وبرزان التكريتي، وعلي حسن المجيد، وعبد حمود، وعبد حسن المجيد. أما
الذين توفوا بالمرض داخل السجن فهم: طارق عزيز (2015)، وسلطان هاشم (2020)، ومزبان
خضر هادي، وعبد الباقي السعدون، وإبراهيم عبد الستار، ومحمد حمزة الزبيدي (2005)،
وإياد فتيح الراوي، وسبعاوي (2014)، ووطبان (2015)، ولطيف نصيف جاسم (2021).
رووداو: لكنهم
لم يكونوا جميعاً لديكم، هؤلاء الـ 55 شخصاً لم يكونوا جميعاً لديكم، أليس كذلك؟
ناظم المالكي: بل استلمناهم جميعاً بعد استكمال
إجراءات تسلم السجون من الجانب الأميركي ونقلناهم من الكاظمية إلى سجن الناصرية.
رووداو: حسناً،
هل كانوا كباراً في السن أم مرضى بسبب المرض؟
ناظم المالكي: الوفيات وقعت بسبب الشيخوخة المتقدمة،
وإصابة نصفهم بأمراض عضال مثل السرطان كما حدث مع سبعاوي، أو الجلطات الدماغية
والقلبية مثل إياد فتيح الراوي.
رووداو: حسناً، أولئك
الذين كانوا مصابين بالسرطان، هل كنتم تقدمون لهم أي علاج؟
ناظم المالكي: دائرة الإصلاح ملزمة قانونياً بتقديم
الرعاية الطبية والأدوية والغذاء لكل سجين بغض النظر عن جريمته وبإشراف مباشر من
الوزارة. أما من أُطلق سراحهم بعد انتهاء
أحكامهم أو تبرئتهم فهم: وليد حامد توفيق، وبرزان عبد الغفور، ومحمد مهدي صالح،
وحامد يوسف حمادي، ومحمود فرج، وهدى عماش، ورحاب طه، ولطيف محل حمود، وسيف الدين
المشهداني، وهاشم حسن المجيد، وفاضل صلفيج، ومزاحم صعب الحسن؛ إذ ثبتت براءة نحو
18 شخصاً منهم لعدم وجود شكاوى ضدهم.
رووداو: هؤلاء
تمت محاكمتهم ثم أطلق سراحهم، أليس كذلك؟
ناظم المالكي: بعضهم
تمت محاكمتهم وانتهت محكومياتهم، وآخرون أثبت القضاء براءتهم تماماً ولم تسجل ضدهم
أي شكاوى من المواطنين.
رووداو: لم
تتم محاكمتهم حتى؟
ناظم المالكي: عرضوا على القضاء وبرّأهم؛ مثل لطيف
محل حمود الذي عمل محافظاً ولم يشتكِ عليه أحد بل شهدت شيوخ العشائر لصالحه ونال
البراءة وتوفي في منزله لاحقاً عام 2017.
رووداو: إذاً
كيف؟
ناظم المالكي: من
لم تثبت إدانته بدعاوى وشكاوى قضائية أُفرج عنه بأمر المحكمة، فالقضاء هو الفيصل.
رووداو: ولكن
لو تخبرني باختصار: في زمانك وما قبله، هل كان هناك تعذيب؟ هل كان هناك تعذيب
للسجناء من قبل الأميركيين أو من قبل العراقيين؟
ناظم المالكي: في
عهدنا وفي ظل النظام الديمقراطي الجديد لم يكن هناك أي تعذيب للسجناء، ولسنا جهة
تحقيقية لنعذب، وحتى لو اعتدى سجين على حارس ترفع ضده شكوى قضائية جديدة دون
استخدام العنف.
رووداو: لم
يحدث؟
ناظم المالكي: لا،
مستحيل أن نمارس التعذيب.
رووداو: إذاً ما تتحدث عنه يشبه السويد إن كان الأمر كذلك!
ناظم المالكي: الوزارة
تحاسب بصرامة في حال تأخير إطلاق سراح أي نزيل انتهت محكوميته يوماً واحداً، وهناك
لجان متابعة وتفتيش مستمرة تحيل أي مقصر إلى المحاكم. نعم تقع أخطاء وخروقات فردية ومظاهر
فساد تعد على الأصابع كأي بلد، لكن المنظومة الرسمية ككل تعمل بشفافية وعدالة، ولا
مجال للعودة لأساليب النظام السابق الدموية.

