حصر الحل بالرجال ليس بهدف ايقاع
حيف على المرأة، فلهن دورهن التاريخي والمعاصر والمستقبلي في انجاح مسيرة المجتمع،
لاسيما وأن الهيمنة الرجولية في القرار هي عذر للمرأة عن خراب تسبب به غيرها في مناطق
خراب القرار وسياسته.
عوامل كثيرة تسببت بخلق الأزمات
التي تخنق المجتمع، وهي عوامل متقابلة متباينة في التقدم الذي يواجهه تراجع، منها
ما هو ملاحظ بشكل واضح، حيث بدأت أسماء صناع القرار السياسي، تقل، والقرار أصبح
صعباً في الايجاد صعباً في القبول والطاعة، مقابل قرارات أسرع تولدها جماعة هي أقرب
للمصالح الخاصة المغطاة منها للمصالح الكبرى العامة التي يمثلها نوع القادة الآخذ
بالتناقص.
ليس معنى هذا انه اطراء على كل من
هو يحمل لقب قائد، فهذه التسمية جرى السطو عليها من كثيرين. كما انه ايضاً ليس ذماً
لكل مجموعة تنتج قراراً، إذ أن تشاركية الفكر والعمل هي صفة في كل الأعمال، لكن
المهم هو الهدف والمستفيد.
لا حل لأي أزمة دون تشخيصها والاعتراف
بوجودها، ومعرفة الأسباب التي أوجدتها، وأيضاً ليس من حلولها اللوم والجزع، فليس
كل مريح مفيد والعكس أيضاً، انما لكل أزمة برنامج حل، وسقف قد ينهاز إذا طال ولم
تسنده أعمدة من الاجراءات والخطوات.
يعيش العراق أزمات متصلة ومنفصلة
ومتحورة، وللأسف فهي لا تشهد اعترافاً بها الا من باب دعاية خصم ضد خصم، فتنفجر
وقت التخاصم وتختفي وقت تشابك المصالح، لكنها باقية، ببساطة لأنها لم تدخل برامج
الحل الناجحة.
هذا النوع السياسي الذي يفجر
الحديث عن الأزمة ويطفيه، هو للأسف صار منافساً للنوع السياسي الناجح الذي كان
سائداً نوعاً لا كماً، كان سائداً بندرة مقبولة، وهذا النوع من سياسيي المصالح
الخاصة هم وجه وجسم وأذرع وأرجل من ثمار دولة عميقة لا تقبل بالدولة الا بمفهومها
الذي يخالف مفهوم الدولة الصحيح والمقبول في الأسرة الدولية.
قد يقول قائل أو يرى ناقد أن
الزعامات صانعة القرار قبلاً هي نوع من الدولة العميقة أيضاً، والجواب نعم، لكن
الحكم يكون على أساس جدولين أحدهما للنجاحات ولماذا تحققت وللخسارات ولم وقعت.
منذ خرج العراق من التركة
العثمانية الى دخوله دائرة الرعاية الأميركية، أي منذ بدأت بريطانيا عملياتها سنة 1914
ثم الى 1917 و 1918 ثم سنة الانتداب 1920 والى نيل الاستقلال سنة 1932، وحتى 2003
وما بين تلك الفترة من تبدلات داخل النظام وتبدل النظام نفسه، لم يُصار لمرحلة من
التفكير خارج عين الفكرة القاصرة عن الحكم وبتفاوت بين قيادات العراق، لكنها لم
تتعد نجاحاً مفرداً يجري تحطيمه بسب تبدل الولاءات التي تلي كل تغير نظام أو تغير
داخل نظام.
لقد شكلت مشكلة الهويات في العراق
عاملاً كبيراً في الأزمات، فبوجود هويات تبحث عن حلول عادلة لوجودها، زحفت هويات
للاستيلاء على القرار غير جادة في إيجاد حل بقدر جديتها في الهيمنة على القرار
بأستخدام جلدها ومتسترة بما يساعدها على إزاحة الآخرين لتنفرد بالمركز.
هذا الشغل خلق قوالب حياتية
مؤذية، قد لا تكون بداياتها محسوسة الخطر، لكن استمراراها صنع منها أمراضاً يستعصي
حلها.
لقد حاولت الفترة الملكية أن
تستوعب العراقيين بهوياتهم وتسكينهم خارج مناطق توتر السياسة بحجة أن النظام جديد،
نظام تأسيس لدولة وليدة، وجرى العمل على هوية عراقية تتفوق على العرق والطائفة، مع
تحفظ من الفكر السياسي المعارض لم يصل الى مرحلة من العنف مثل الذي وصل اليه
النظام العسكري الجمهوري، حيث صار الرأي السياسي يتصدر اهتمام تقييم السلطة قبل
الهوية العراقية الجامعة، ثم ومع مسير الانقلابات تشكلت ثلاثية الرأي المعارض والعرق
المخالف والطائفية العقائدية هي الفاصل الأول المفصلي قبل الهوية العراقية.
تفاعل السلطة مع مرتجعات مشروعها
وفكرها وتوجهها في الحكم آذى عوامل النمو الاجتماعي السليم، ولذا فليس مستغرباً أن
يتم اسقاط الجنسية عن مكون عواقي بأغلبه بحجة تبعية دولة أخرى، وما يعنيه ذلك
نفسياً وحياتياً على المكون وعلى علاقته مع باقي المجتمع، اذ صارت دواعي الاستيقاف
والتوقيف والاعتقال والمحاكمة والسجن أو الاعدام أو التسفير، اجراءات منظمة
بقانون، وهي عملية مجرمة، لكن السلطة ترى فيها أنها إجراء سليم يتوافق مع عقيدتها
التي تغذيها بعرف سائد وممارسة أسبق جرت عليها أنظمة غيرها.
لو راجع أي باحث ملفات العلاقة
بين بغداد السياسية والادارية مع الكورد، سيرى أن قضايا الوقت الراهن المعلن عنها
لا تتجاوز ملف رواتب موظفي الاقليم، وواردات المنافذ، قانون النفط والغاز، المادة 140
من الدستور، تعويض ضحايا القتل الممنهج وضحايا سياسات الاقصاء، وهي قضايا من ملف
قضايا تعكس حقيقة السلطات السابقة وواقعها الذي كانت تغطيه بدعاية مكذوبة، مكذوبة
في السلم وفي الحرب وبشاعة أفعالها.
لكن الفرد والجماعة السابقين وإن
مثلوا دولة عميقة، الا انها لم تكن مخفية، اذا ان لا جماعة تقف خلف رأس النظام، ورأس
النظام ذاك كان هو مصدر القرار، وحتى مع معارضتنا له، الا انه لم يكن مخفياً ولا
متوارياً ولا منفذاً لقرارات غيره، أي أنه لم يكن واجهة للغير.
ولأن السابقون بنوا دولة، أو بالأدق
أضافوا شيئاً لمباني الدولة الوليدة الموروثة من النظام الملكي، فإن المفترض بعد 2003
أن يرمم المبنى القديم للدولة، بدل تخريبه كله، وبدل التحول الى واجهات لدولة
عميقة، خفية الوجوه.
لسنا وحدنا الذين نعاني من أزمات
العراق، قديمها المستمر وحديثها الذي سيستمر، ولكن من هم الرجال الذين سيفككون هذه
الازمات؟ الأزمات لا تفكك برئيس حكومة بلا برمامج إصلاح، برنامج لا يخلق شعوبا
معزولة وشعباً أقل هم جمهور السلطة.
راجعوا الأداء الذي خلق تفاوتاً
كبيراً وخلق وعياً مشوهاً متبايناً بين أبناء العراق بسبب سياسات تخلط وتنفذ برامج
لا تفصل بين الحزبية والقيادية والشأن العام وحدود التصرف ومطابقته للدستور من
عدمه.
أن أي معتقد لا تقدم حصيلة عادلة،
سيكون المشتغلون بموجبه المتشرعنون المشرعون بشرعيته موضع رفض. ربما غابت المصادر الملهمة للسياسيين المصلحين أو تراجعت، لكنها ليست
فوزاً مشرفاً للمنافس الذي صعد صدفة او بخلطة خاطئة.
لكن العامل الأصعب الذي سيقى ينتج
أزمات ويمنع ميلاد رجال لحلها، هو انتصار فئة سفهّت عقول اصحاب عقائد العدالة ممن أضافوا
للعراق منجزات عمل لو استقرت واستمرت، لما كنا نعيش تراجع المواكبة.
خذوا أي عينة عشوائية من المجتمع
وزنوها بمعيار ما عندها وما هي ممنوعة منه ستعرفون المستفيد.
